تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 994

مساهمون:

ص٩٩٤
رابعها : أن من مطالب الحياة التي يقرها الدين أن يحرص الرجل على أن يترك لأولاده إذا كانوا ذرية ضعافا ، فضلا من المال يستعينون به في شدائد الحياة ، ولا يكونون كلّا على الناس ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لسعد بن مالك « 1 » في مرض كان يتوقع الموت منه ، وقد أراد أن يتصدق بماله كله فنهاه وأقره على التصدق بالثلث : « إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس » « 2 » . هذه بعض إشارات الآية الكريمة وإنها لتشع منها معان سامية متعددة كما يشع الثمر الجيد من الغصن المثمر ، تعالت كلمات الله العليم الحكيم . ومن أجل هذه المعاني السامية المنبعثة من ذلك النص الكريم المفهومة من عباراته أو إشارته ، دعا سبحانه إلى التفكير فيها وتدبرها مع غيرها ، فقال عزّ من قائل :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
هذا ختام هذه الآية الكريمة ، والآيات المقصودة هنا هي الآيات القرآنية ، والمراد من التفكر هو التدبر والتأمل وتعرف مرامى العبارات القريبة والبعيدة ، والتفكر في عواقب الأعمال ونتائجها ، وفي أسبابها وغاياتها . والتشبيه في قوله تعالى :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
فيه تشبيه الكلى العام من بيان الله سبحانه وتعالى في كل آياته ، بهذه الصورة الجزئية التي رأيناها في تلك التشبيهات الرائعة وذلك السياق المحكم ، وتلك المعاني الجلية التي يتدبرها المتدبر ، فتجلى له معان كريمة سامية كلما أعمل فكره وتفكر وقدر ، ومثل ذلك كما يجرى في عباراتنا - ولكلام الله المثل الأعلى - أن يقول عندما يعمل عملا جيدا يعمله فيستحسن ، فيقول : كذلك أعمل دائما ، أي كهذا العمل الذي استحسنتموه كل عمل . ومعنى التشبيه في الآية الكريمة على هذا يكون هكذا : كهذا البيان الجلى الرائع الذي بدا في هذا المثل المحكم بيان الله الكلى لكل آياته في كتابه الحكيم .
هامش
( 1 ) هو سعد بن أبي وقاص بن مالك بن أهيب بن عبد مناف ، الزهري القرشي ، كنيته أبو إسحاق ، ولقبه : فارس الإسلام ، صحابي جليل ، أقام بالكوفة ، وتوفى بالمدينة 55 ه . ( 2 ) رواه البخاري : الوصايا - أن يترك ورثته أغنياء ( 2537 ) ، ومسلم : الوصية - الوصية بالثلث ( 3076 ) .