تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 972

مساهمون:

ص٩٧٢
والمفسرون جميعا مجمعون على أن النفقة في سبيل الله تنتج سبعمائة مثل لها ؛ لأن صاحبها يكافئه الله تعالى عليها بتلك المكافأة السخية ، وهو سبحانه وتعالى المعطى الوهاب ، وإن ذلك وجه صحيح بلا شك ، ويزكيه قوله تعالى بعد ذلك :
وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ
فإنه في ظاهره يدل على عطاء الله بالثواب على الحسنة بعشر أمثالها ، وعلى الصدقة بسبعمائة مثل ؛ فلا حد لفضله وعطائه سبحانه . ولكن يصح مع ذلك أن نقول : إن الصدقة في سبيل الله تنتج سبعمائة مثل لها ، لا من حيث الثواب الذي يناله المنفق ممن يملك الثواب فقط ، بل من حيث النتائج التي تنتج عنها ؛ فإن نتائج الإنفاق في سبيل الله عظيمة تعود على الأمة بسبعمائة مثل لهذه الصدقة أو تزيد ، فإن الإنفاق في سبيل الحرب بإعداد العدة يدفع كيد الأعداء فتنجو الأمة ، وفي نجاتها خير كثير هو أكثر من سبعمائة ضعف من المال الذي أنفق . ومن يعط يتيما ويدر عليه من ماله فإنه يربيه ، فتكون منه قوة عاملة في الأمة ، تأتى من وجوه الخير بأضعاف ما أنفقت في تربيته ، ودفع شرا خطيرا ، وهو أن يكون ذلك اليتيم إن لم يتعهد بالتربية الصالحة عنصر تخريب في الأمة . ومن ينشئ مستشفى ، فإنما يدفع أدواء تعوق القدرة الإنسانية فلا تنتج ، فإذا حمى هذه القدرة فقد قدم للجماعة خيرا كثيرا بهذا الإنتاج . وعلى ذلك نقول : إن سبعمائة الضعف ليست فقط هي الثواب الذي يناله صاحب الصدقة ، إنما هي مع ذلك النتائج الجليلة التي ترتبت على هذه الصدقة . وإنه ليزكى نظرنا هذا ، إسناد الإنبات إلى الحبة ، وهي التي شبهت بها الصدقة ؛ لأن ذلك يدل على أن تلك الأضعاف نماء لتلك الحبة ، وهي أنسب في معنى النتائج النافعة للصدقة في الأمة ، لا مجرد النفع فقط بالثواب لصاحبها . وإن ذلك القول كله مبنى على أن التشبيه بين الصدقة في نتائجها وبين الحبة في نمائها الدر الوفير ؛ وأن الكلام على تقدير مضاف في قوله :
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أي نفقة الذين ينفقون ، على هذا التخريج الذي قاله كل المفسرين . ولقد خطر لي أنه لا مانع من أن يكون التشبيه بين المنفقين أنفسهم من حيث كونهم عنصر
زهرة التفاسير — صفحة 972 | محمد أبو زهرة