تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 971

مساهمون:

ص٩٧١
وفي الحق إن هذه الآية تشمل صدقة عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف في معناها ؛ لأنه يتحقق في تلك الصدقة السخية كل أوصاف الصدقة التي يتقبلها رب العالمين فرضى الله عن الصحابة أجمعين .
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ
الحبة اسم لكل ما يزرعه ابن آدم ويكون منه قوته ، وأكثر ما تكون في البر ، وسنابل جمع سنبلة ، وهي وزن فنعلة من السبل ، ويقال أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل ، أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالإسبال ، وقيل معناه صار فيه حب مستور كما يستر بإرسال الستر عليه . وسبيل الله ، هي سبيل النفع العام ، والجهاد في سبيل الله وإعطاء السائل والمحروم أو بعبارة عامة : الإنفاق في سبيل كل خير ، لا يقصد بالإنفاق فيه كل وجوه البر والنفع ، ولكن إذا اجتمعت مع أبواب البر الأخرى ، كان المقصود بها الإنفاق في الجهاد في سبيل الله ، وهو الإنفاق على المحاربين والغزاة وإعداد العدة ، كما هو في آية الصدقات في التوبة :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ . . .
( 60 ) [ التوبة ] ؛ ولذلك كان الغالب على هذا اللفظ أن يكون الإنفاق في سبيل الجهاد ، وكل ما يعد القوة المدافعة عن الأمة . وقد شبه سبحانه حال الذين ينفقون في سبيل الله بحال حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، وقد ذكر الزمخشري وغيره من المفسرين : أن التشبيه ليس بين الذين ينفقون والحبة ، بل بين الصدقة نفسها والحبة ؛ فالكلام فيه مضاف محذوف مقدر في القول ، وتقديره : مثل صدقة الذين ينفقون في سبيل الله . . فقد شبه سبحانه الصدقة التي تنفق في سبيل الله بحبة تلقى في الأرض فتخرج عودا مستويا قائما تتعلق به سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، أي أنه يتولد عن هذه الحبة التي باركها خالق الحب والنوى سبعمائة حبة ، وإسناد الإنبات إليها من حيث اتصاله بها ، وأن تلك الحبات هي نماء متولد عنها ، وفي الحقيقة إن المنبت هو الله سبحانه وتعالى .
زهرة التفاسير — صفحة 971 | محمد أبو زهرة