تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 957

مساهمون:

ص٩٥٧
وفي الكلام إشارة إلى أن هذا ما كان يسوغ له أن ينكر وأن يحاج في إنكاره ؛ لأنه يحاج في موضوع لا يقبل الجدل والمناقشة ؛ لأنه يناقش في ربه خالقه وخالق كل شئ ، فالضمير في « ربه » يعود إلى ذلك الملك الطاغي المتجبر ، ويصح أن يعود الضمير إلى إبراهيم وإني اختار الأول ؛ لأن الطاغية هو المتحدث عنه فالضمير يعود إليه .
إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
هذا كلام نبي الله إبراهيم وخليله ، كلام معترف بالربوبية عرف ربه بأوضح ما يعرف به وبأروع آثار قدرته في هذا الوجود وبأبعدها أثرا في نفس العاقل المتفكر المتدبر وهو الحياة والموت لأنهما أشد الأمور أثرا في نفس كل إنسان ذي حس وشعور وعقل وأفاد القول صيغة الحصر إذ قال سبحانه :
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
وفي ذلك تعريف المبتدأ والخبر وتعريفهما يفيد القصر ، فالمعنى أنه وحده سبحانه هو الذي يحيى ويميت ولا أحد سواه يفعل ذلك . ومعنى يحيى ينشئ الحياة ويوجدها ، ومعنى يميت يوجد تلك الحقيقة التي تفقد الجسم معنى الحياة . والتعبير بالمضارع يفيد معنى الاستمرار الذي يرى ويحس كل يوم ، فالمعنى أن ربى وخالقي هو الذي يحيى الناس كل يوم كما ترى ويميت منهم كل يوم من ترى . هذا كلام إبراهيم وهو يحوى حجة قوية واضحة من شأنها أن تثير في النفس نزوع الاتجاه إلى الحق ؛ لأنها تشير مع ذلك إلى حقيقة الحياة وهي أنها إلى فناء ، فلا يصح أن يغر الشخص بها الغرور ولا يذهب به الطغيان إلى إنكار ربوبية الخالق .
قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
هذا جواب الملك الذي سيطر الهوى عليه فأضله وسيطر الطاغوت على نفسه فحمل شعبه على الإذعان لطغيانه وضلاله ، ومنعهم من أن يصل النور إلى قلوبهم وحاجز بينهم وبين كل دعوة إلى الحق والنور ، وبذلك كان ممن يدعون إلى الظلمات كما ذكر في الآية السابقة
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ .
زهرة التفاسير — صفحة 957 | محمد أبو زهرة