تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 959

مساهمون:

ص٩٥٩
قدرها منشئه وأمارة قدرتك أن تغير هذه النظم فافعل إن كنت قديرا ، فليست القدرة في أن تدعى إنشاء نظام وجد قبل أن توجد أنت وأشباهك من الطغاة ، إنما القدرة تكون في تغييره فافعل هذا التغيير وما كان ذلك في قدرته لأنه ضال مضل ؛ ولذا حكى الله سبحانه وتعالى حاله في قوله :
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ
أي تحير واضطرب ولم يجد جوابا ولم يستطع أن يتكلم قليلا أو كثيرا . وقد عبر عنه بقوله :
الَّذِي كَفَرَ
للإشارة إلى أن سبب الحيرة هو كفره ، إذ لو كان طالب هداية لكانت الحجة القاطعة الملزمة هادية بدل أن تكون محيرة ولكنه صمم على الكفر وأصر عليه ، فكانت نفسه حائرة بين حق ظهرت بيناته وباطل قد عض عليه بالنواجذ ، وكذلك شأن كل من أضله الله على علم .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
ختم الله سبحانه وتعالى الآية بهذه الجملة السامية وهي تدل على ثلاثة أمور : أولها : إن الذين يعاندون الحق ظالمون دائما : يظلمون أنفسهم لأنهم يسدون منافذ النور فلا يصل إلى قلوبهم ، ويظلمون أقوامهم لأنهم يحملونهم على الضلال ، ويظلمون الحق لأنهم يحاربونه . ثانيها : إن ظلمهم يسبق كامل ضلالهم ؛ ذلك لأن الشهوات تتحكم فيهم فتدفعهم إلى طلب ما ليس لهم ثم يستهويهم الشيطان بالطمع بعد المطمع ، فيتجاوزون الحدود ويطغون ثم يكون الضلال الكامل الذي تطمس فيه البصيرة فتغلف القلوب عن الحق وتقسو فلا تلين . ثالثها : إن الظلم إذا استحكم في النفس أصبحت كل البراهين لا تجدى بل تزيده عنادا وإصرارا ؛ ولذلك لم يكتب الله الهداية لمن استمرأ الظلم آحادا أو جماعات والله ولى المتقين . ولقد كان احتجاج إبراهيم عليه السلام على الطاغية الذي يدعى الربوبية بأن الله هو الذي يحيى ويميت ، فتجاهل الطاغية معنى الحياة والموت ، وحرّف الكلم عن مواضعه فلوى خليل الله عنقه حتى أراه عجزه وقدرة الله على نحو ما ذكر سبحانه :
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ .