تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 958

مساهمون:

ص٩٥٨
أجاب ذلك الملك بنقض الاختصاص الذي ذكره خليل الله لرب العالمين ، وهو أنه وحده الذي يحيى ويميت ، فقال ذلك الضال : أنا أحيا وأميت أيضا ، ومرمى قوله أنه إذا كان ربك يا إبراهيم يحيى ويميت واستحق الربوبية لذلك ، فأنا أيضا أحيا وأميت فأستحق هذه الربوبية ، ويقصد بالإحياء كما يقول العلماء العفو عمن حكم عليه بالإعدام وبالإماتة وقتل من شاء قتله هذا ما قاله العلماء . ولو أن لي أن أقول كلاما آخر لقلت إن ذلك الطاغوت يقصد بالإحياء الاستيلاد والاستنبات ونحو ذلك مما يفعله الإنسان ويتخذه سببا عاديا من أسباب ظهور الحي بحياته ، وبالإماتة القضاء على الحي بالقتل أو القطع أو الاستئصال ونحو ذلك مما يجوز أن تسند فيه أسباب الحياة إلى الإنسان وأسباب الإماتة إليه ، وهذا بلا شك غير ما قصده الخليل عليه السلام ؛ لأن ما قصده هو خلق الحياة وخلق الموت ، وذلك ما لا يستطيعه إلا رب العالمين تعالى الله علوا كبيرا . وكان الخليل يستطيع أن يبين له تلك الحقيقة ويحرر موضع القول ولكن ذلك قد يجر إلى مراء فاختار طريقا آخر أجدى وأردع وأقوى وأشد إفحاما ؛ قال له ما حكاه رب العالمين في قوله :
قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
لقد ادعى الطاغية أنه شريك الله سبحانه وتعالى ، والشركة تقتضى المساواة في القدرة والسلطان والخلق والتكوين ولا تبدو تلك المساواة إلا إذا كان أحد المتساويين عنده قدرة على مقاومة إرادة الآخر وبسط سلطانه حيث بسط هو سلطانه ، والله سبحانه يأتي بالشمس من المشرق ، أي الجهة التي تشرق منها فعلى المدعى أن يعاند هذا النظام المسيطر الذي يدعى ربوبيته عليه ، بأن يأتي بالشمس من جهة الغروب ، ويعكس الفلك الدوار . والفاء في قوله تعالى :
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي
هي فاء الإفصاح التي تفصح عن شرط مقدر وتقدير القول : إذا كنت تدعى الألوهية أو الربوبية فأظهر أمارات قدرتك وسلطانك على الكون بأن تأتى بالشمس من جهة غروبها الآن بدل أن تخرج من جهة شروقها ، والمعنى أن ذلك الكون قد خلق على نظام محكم وأحكم تنسيقه بنظم
زهرة التفاسير — صفحة 958 | محمد أبو زهرة