تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 887

مساهمون:

ص٨٨٧
وثانيهما : أن تكون في معنى الفعل توقع أو قارب ، وما بعدها يكون في معنى الفاعل ، ويصح أن يكون في مقام الاسم إعرابا ، وهي هنا بهذا المعنى ، كما هي في قوله تعالى :
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
( 22 ) [ محمد ] .
قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
أجابوا نبيهم بأنهم قدروا حالهم ، وعالجوا ضعف نفوسهم ، وبينوا أن بواعث القتال قد توافرت ، فحق علينا أن نقاتل ؛ إننا قد أخرجنا من ديارنا باستيلاء العدو عليها ، وأخرجنا من أبنائنا بسبيهم ، وفصلهم عنا ، وجعل قوتهم لأعدائنا وليست لنا ، فساغ لنا القتال ، بل وجب علينا ؛ أي أننا في حال توجب القتال علينا ، فما الذي يمنع منه ؟ لقد توافر الباعث ، وزال المانع فحق الجهاد ، فإما فناء في طلب العزة ، وإما بقاء في ظلها ؛ بل إن حالنا شر أنواع الفناء ؛ لأنه موت الأحياء ! وهنا بحث لفظي نشير إليه ، وهو في موضعين : أولهما : في قوله تعالى :
وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ،
فالاستفهام هنا للنفي ، والجار والمجرور « لنا » متعلق بفعل محذوف تقديره : ما سوغ لنا ألا نقاتل وقد أخرجنا من ديارنا ! أي أنه لا مسوغ قط لعدم القتال بعد خراب الديار وذهاب الأبناء إن المرء يدافع عن أرضه وعن ولده ، وقد أخرجنا من الاثنين ، فأرضنا ليست بيدنا ، وأنفسنا ليست بأيدينا ؛ إذ أخرجنا عن فلذات أكبادنا ، وقطع عنا من هم قطع من نفوسنا . الموضع الثاني - قوله تعالى :
وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا :
الواو هنا واو الحال ، ولكن ما حقيقة الإخراج ؟ أهو الإخراج الحسى بطردهم من بلادهم ، والفصل بينهم وبين أبنائهم ، فطردوا الكبار من الديار ، وأبقوا الصغار عبيدا في الأرض وعسفاء فيها ، أم المراد الخروج المعنوي بأن يكونوا في أرضهم وليس لهم من أمرها شئ ، وأن يروا أولادهم وليس لهم من أمرهم شئ بأن يسبيهم عدوهم ، أو يتخذهم قوة له بكل الوسائل المادية والنفسية ؟ .
زهرة التفاسير — صفحة 887 | محمد أبو زهرة