تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 881

مساهمون:

ص٨٨١
هزم بنو إسرائيل من بعد موسى هزيمة شديدة سبى فيها نساؤهم وذراريهم وأخرجوا من ديارهم ، وكان ذلك قبل مبعث داود عليه السلام ، كما يدل على ذلك اشتراك داود عليه السلام في المعركة التي أشارت إليها الآية الكريمة ، وقد بعث الله سبحانه وتعالى فيهم نبيا وهم في هذه الهزيمة ، ولم يذكر سبحانه من هذا النبي الكريم ، فلا نحاول معرفة من هو ، وإن بعث النبي وهم في هذه الهزيمة - وقد أراد سبحانه وتعالى أن يفيقوا من هذه الضربة دليل على أن السبيل لإنقاذ الأمم من كبوتها وإنهاضها يكون بالرجوع إلى الدين ؛ لأنه هو الذي يصهر القلوب ويملؤها بقوة الله ، فتهون بجوارها قوة الناس ، وقد كان الرجوع إلى الدين قبل مبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم بنبي يرسل ، وأما وقد ختمت النبوة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فقد أصبح الرجوع إلى الدين بالرجوع إلى كلام الله تعالى الخالد وهو القرآن الكريم ؛ لأنه صوت الوحي الدائم إلى يوم القيامة :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 9 ) [ الحجر ] . وبعد أن تعمر القلوب بالإيمان ويذهب عنها الخور بقوة اليقين ، تتلاقى القلوب فيحاول الفضلاء أن يجمعوا الشمل تحت قيادة موحدة ، وتحت إمرة قوية ، وسلطان يصرف الأمور ، ويدبر الشؤون في السلم وفي الحرب ؛ وذلك ما اتجهوا إليه :
قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً
فاختار الله سبحانه وتعالى ملكا لم يكن اختياره بالوراثة والسلالة ، بل كان اصطفاؤه للمزايا التي تتفق مع الإمارة والسلطان ، وهي قوة العقل وقوة الجسم ، فاصطفى الله سبحانه وتعالى طالوت ؛ لأنه زاده بسطة في العلم والجسم ، وهما الصفتان اللازمتان للأمير ، ولكن بني إسرائيل وقد أرهق نفوسهم الذل ، وتعودوا المراء والجدل ، وعجبوا كيف يختار طالوت ، وهو ليس بذى فضل عليهم في النسب ، وليس ذا مال وفير ؛ فبين الله لهم أن الغاية من الإمارة هي بسط السلطان ، والخروج من ذل الهزيمة إلى عزة الانتصار ، وأمارة استحقاق طالوت لهذه الإمرة أن يحقق ذلك الانتصار ، وأن تأتى إليهم شارة عزهم ومجدهم وهي التابوت .