تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 883

مساهمون:

ص٨٨٣
فتطلبها ، وكيف يكون الدين أساس العزة لمن غلبت عليهم الشقوة ، وأنه لا سلطان من غير إمرة يعمل تحت سلطانها البر ، ويزجر بها الفاجر ، وأن الأمير يجب أن يكون له من قوة العقل وقوة الجسم وسعة العلم وكمال التجربة ما يقود به الشعب إلى صالح الأمور ، وأن أساس الانتصار السيطرة على النفس فلا يغلب خصمه من لا يغلب نفسه ، ولا يقمع عدوه من لا يقمع شهوته ، وإنه بعد أخذ الأهبة يفوض المجاهد أمره إلى الله ، ويتوكل عليه . بعد هذا نتجه إلى تتبع الآيات الكريمة آية آية ، مستنبطين العبر من ثناياها كما تلوح العبر في مجموعها :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ
قد ذكرنا ما في هذا التعبير من إثارة الاهتمام والتقرير ، وتثبيت المعنى في نفس القارئ والسامع ، وقد عبر هنا بالرؤية ، وهي إما أن تكون بمعنى العلم كما ذكرنا من قبل ، وهي تكون للعلم القلبي الذي يستيقن فيه الإنسان كما يستيقن بالعلم الحسى الذي يكون طريقه النظر والإبصار . . وإما أن يراد بالرؤية النظر أو البصر ؛ وفي هذا تصوير للقصة المخبر عنها كأنها المرئية المحسوسة المشاهدة . والملأ هم الكبراء وأشراف القوم ، كأنهم ممتلئون شرفا . وقال الزجاج : سموا بذلك ؛ لأنهم ممتلئون مما يحتاج إليه منهم ، ويطلق الملأ ويراد به الجماعة ، من قبيل إطلاق اسم الجزء وإرادة الكل ؛ لأن ذلك الجزء له مزيد فضل وشرف على بقية الأجزاء ، وقد فسر الراغب في مفرداته الملأ بأنه « الجماعة يجتمعون على رأى فيملئون العيون رواء ومنظرا ، والنفوس بهاء وجلالا » . وما المراد بالملإ هنا ؟ أهم كبراء بني إسرائيل ، أم القوم كلهم ؟ أكثر المفسرين على أن المراد بنو إسرائيل وعلى هذا تكون « من » بيانية ؛ فالمعنى أن بني إسرائيل جميعا اجتمعوا وقالوا في عصر من العصور لنبي لهم ابعث لنا ملكا . وإني أرى أن كلمة الملأ هنا المراد بها الكبراء وأهل الرأي منهم ، فإن الدهماء دائما في شغل شاغل حتى ينبههم كبراؤهم ، وذوو الرأي والشأن فيهم ، وخصوصا إذا كان الدهماء قد غلبت عليهم الشقوة والذلة ، وكذلك يكونون دائما في حال الانهزام وتغلب الأجنبي على الأمة .