تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 809

مساهمون:

ص٨٠٩
وإذا كان الأمر كذلك فكل التكليفات الشرعية يكون في الوسع القيام بها ، بمعنى أنها تؤدى بيسر وسهولة ولا مشقة فيها لمن ذاق طعم الطاعة ، وفهم معناها ؛ ولذا قال تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . . .
( 185 ) [ البقرة ] . ولا شك أن الإنفاق على الأم بالمعروف ، هو تكليف بما في الوسع الذي يقوم به المرء بيسر وسهولة ؛ لأن أساس المعروف ألا يكون فيه غضاضة على المرأة ، وألا يكون شطط على الرجل ؛ فلا يكلف أحدهما إلا وسعه وما يكون يسرا من أمره . ولقد عبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة عن الإنفاق بالرزق والكسوة ، أي بالإطعام والإيواء والكسوة ، وعبر في آية الطلاق بالأجرة ، فقد قال الله تعالى :
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ . . .
( 6 ) [ الطلاق ] فالأجرة هنالك هي الكسوة والرزق هنا ؛ وتخالف التعبيران ؛ لأن كل واحد فيما يناسبه ؛ فالتعبير بالأجرة ؛ لأن الكلام في المطلقات ، وما يفرض لهن من نفقة وأمدها ؛ ثم بين ما يستحق في مقابل الإرضاع إن أرضعن وقد خرجن من بيت الرجل وسلطانه . أما في هذه الآية فالكلام في أصل وجوب الإرضاع على الأمهات ، وبيان توزيع التكليفات ؛ والآية هنا عبر القرآن فيها عن الأم بوصف كونها والدة ، وعلى الأب بوصف كونه مولودا له ، فناسب أن يعبر عن النفقة هنا بالرزق والكسوة لأن مؤدى التعبير الكريم أن الواجبات للطفل موزعة ، والحقوق فيه متقابلة ؛ فالأم لأنها تفرغت لخدمته ، وقامت على حياطته ، وغذته من لبنها بعد أن غذته من دمها ، وأوجب عليها الشارع ذلك الغذاء - كان على الأب في نظير ذلك أن يكدح ويعمل ليوفر لها رزقها وكسوتها بالمعروف من غير غضاضة ولا شطط .
لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ
هذه الجملة السامية في مقام التعليل للأحكام السابقة الموزعة بين الوالد والوالدة ، والتي أساسها القيام بحق ذلك المخلوق الذي كان كل واحد منهما طريقا لخروجه إلى هذا الوجود الإنسانى . والمعنى أنه لا يصح أن يقع ضرر على الأم بسبب ولدها لما لها من حنو وعطف ، فيستغل ذلك الحنو وذلك العطف لإنزال الأذى بها وإعناتها وتكليفها ما ليس في وسعها ، وما