والفتنة التي أنزلها المشركون بالمؤمنين ، وهم مستضعفون بمكة كانت أكبر من القتل ؛ لأنها أذى شديد يلحق الروح ، وأذى الروح وبخعها بحملها على الكفر بعد الهداية لا يقل عن القتل ، فهذا موت مادي ، وذلك موت أكبر وأعظم ، ولقد قال تعالى
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها . . .
( 122 ) [ الأنعام ] فالضلال كالموت ، بل هو أشد الموت ، والهداية حياة أي حياة .
والفتنة فوق ذلك محاربة الفضيلة ، ومحاربة قيام الجماعة على أسس من الخير فهي تؤدى إلى موت الجماعة ؛ لأن حياة الأمم بروابط الفضيلة بين أحدها وكيف يكون قتل واحد أو اثنين أو عشرة مساويا لقتل أمة ، وذهاب وحدتها وتحكم الأشرار وسيادة الظلم وانتشار الفوضى ؟ ! وإن الحرية الدينية هي معنى الإنسانية ، فقتلها بالفتنة قتل لأقدس معاني الإنسانية .
ولقد كان أولئك المشركون يفتنون المسلمين الأولين عن دينهم بصنوف الأذى ، والابتلاء لم يسلم من أذاهم ضعيف أو ذو عصبة ، فذوو العصبة كانوا يستهزءون بهم ويثيرون السخرية حولهم ، وقد تمتد أيديهم بالأذى إليهم ، وقد كانوا يقاطعونهم ويمتنعون عن معاملتهم كما فعلوا ببنى هاشم عندما ناصروا النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يسلموه إليهم ليقتلوه .
وكان أشد الأذى بالضعفاء وخصوصا الموالى ، وقد حفظ التاريخ بلاء شديدا لكثيرين من المؤمنين أمثال عمار بن ياسر وأبيه وأمه ، وقد مات الأب والأم في العذاب الأليم ، وبقي الابن وقد خرج من المحنة مصقول النفس قوى الجنان ثابت الإيمان ، وكذلك نزل بخباب بن الأرت وبلال وغيرهم .
وإن أولئك الذين فتنوا المؤمنين الأولين وهم مستضعفون ، ولا يزالون على نيتهم ، وقد صار الإسلام في عزة ؛ ولذا قال سبحانه :
وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا
فهؤلاء المشركون أعداؤكم لا تأخذكم بهم هوادة ، ولا تجعلوا لهم عندكم إرادة ، لأنهم أعداء دينكم ، فتنوكم فيه في الماضي ،