تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 691

مساهمون:

ص٦٩١
وأخرجوكم من دياركم ، وما زالوا على هذه النية في الحاضر ، لا يودون لكم إلا خبالا ، وهم دائما في قتال معكم ، فالتعبير بالفعل الدال على الاستمرار مع التعبير بالمضارع يدل على الدوام والبقاء ، فهم مستمرون على القتال معكم ، وأنتم معهم في قتال دائم ، فإن قاتلتموهم في الشهر الحرام ، فأنتم لم تبتدءوهم ، بل هم الطغاة المبتدءون ، وإن تركتموهم لم يتركوكم ، وإن تركتموهم زمنا فقد مكنتموهم من فرصة ينتهزونها ، وسهلتم لهم رغبتهم التي يضعونها نصب أعينهم وهي أن يردوكم عن دينكم . وقد بين الله سبحانه أيضا غايتهم من هذا القتال ، وأمنيتهم التي يتمنونها ، وهي أن يردوكم عن دينكم الذي ارتضيتم ؛ لأنهم رأوا أن هذا الدين يهدم طغيانهم ، ويأتي بنيانهم من قواعده ، ولأنه دين الفضيلة وهم أعداؤها ودين المساواة وهم لا يحبونها ، ودين العدل وهم لا يرتضونه ، ودين النور وهم يطمسونه . ولكن الله سبحانه وتعالى لا يمكنهم وهو ناصركم ،
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ . . .
( 160 ) [ آل عمران ] . ولقد عقب الله سبحانه وتعالى الجملة الكريمة بقوله :
إِنِ اسْتَطاعُوا .
والتعبير ب « إن » يفيد الشك في قدرتهم ، بل إن الزمخشري يقول إن قوله تعالى :
إِنِ اسْتَطاعُوا
دالة على عدم قدرتهم على ذلك أو استبعاد ذلك ، فهو كقول الرجل لعدوه ، لا تبق علىّ إن ظفرت بي وهو واثق أنه لن يظفر به ، وكأنه قيل لهم وأنى لهم أن يستطيعوا ذلك ، والله محيط بهم ، ولهذا الدين رب يحميه ، ولن يذل قوم الله ناصرهم ! ! بيد أنهم إن عجزوا عن ذلك بالنسبة للجماعة فلن ترد تلك العصابة المطهرة عن دينها ، قد يميل معهم من يكون في قلبه مرض ، أو فيه ضعف ، أو لم يكن قوى الإيمان بحيث يصبر على المحن ، وتصقله التجارب ، وتضئ قلبه الشدائد . ولقد حذر الله سبحانه وتعالى أولئك الضعفاء ، فقال تعالت كلماته :
زهرة التفاسير — صفحة 691 | محمد أبو زهرة