تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وإن النسخ في ذاته لا في القرآن بالذات لا ينكره أحد ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يربى المؤمنين ، ويدع الدين الحق في قلوبهم ، وقد مكث بينهم ثلاثة وعشرين عاما يربيهم ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، وما كانوا ليقبلوا ذلك التهذيب الكامل الذي ينقلهم من الجاهلية إلى العلم والتفكير ، والعمل التقى الطاهر دفعة واحدة ؛ بل لا بد أن يأخذهم في رفق وأناة يقر أمورا على رجاء التغيير ، حتى تشرب قلوبهم حب الإسلام ، وحب آدابه ، ولقد روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما من نبوة إلا تناسخت » أي حولت النفوس بالتدريج ، وترك أمور في مرتبة العفو حتى تتشرب النفوس الحقائق الإسلامية ، وليس معنى ذلك أن الله تعالى كان يجهل الحقائق ثم علم وهو ما يسمى بالبداء ، والله تعالى منزه عنه تبارك وتعالى ، وإنما معناه أن الله عالم بكل شئ ، ولكن نبيه كان كالمربى الذي يتدرج بتعليمه حتى يشب ويعلو فكره ، فتتكامل الشريعة نزولا إذ تكامل عقله إدراكا وبيانا . لذلك كان النسخ وكانت الأحكام التي تجيء في السنة موضع التناسخ الثابت بالحديث . ولكن هل يجئ النسخ في القرآن ، قال جمهور العلماء ذلك مستدلين بقوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
ولكن نقول : إن الآية الكريمة كما في بيان الشرط وجوابه ، وتدل على الإمكان لا على الوقوع فعلا ، وإن هذا على أساس تفسير الآية بمعنى الآية القرآنية المشتملة على حكم تكليفي ، ولكن كلمة الآية تدل معانيها على الآية الكونية ، والمعجزات الكونية والحسية التي يجيء بها الرسل كإحياء عيسى عليه السلام الموتى بإذن الله تعالى ، وإحياء الموتى من قبورهم ، وتصويره كهيئة الطير فينفخ فيه فتكون طيرا بإذن الله تعالى ، وكعصا موسى عليه السلام التي فلقت البحر وفجرت الماء من الحجر ، وكإرسال الجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات . وإن المشركين طلبوا من النبي صلى اللّه عليه وسلم آيات أي معجزات دالة على رسالته كمعجزات عيسى وموسى ويظهر أن اليهود طلبوا مثلها ، فرد الله تعالى عليهم