ما هو هذا الكفر الذي نفاه الله عن نبيه سليمان عليه السلام ، أهو ما ادعته الكذبة التي ألحقت بالتوراة - بتوراتهم - وما هي منها ؟ وهو أنه ارتد وكفر ، فنفى الله تعالى عنه ذلك الكفر ، وتلك الردة ، وأن شياطينهم الذين قالوا ذلك هم الذين كفروا بدعواهم على سليمان الكفر . وافترائهم عليه وادعائهم السحر ، والتمويه على الناس به ، فكل هذا كفر .
هذا هو ظاهر القول ، إذ كان اليهود قد اتبعوا هذه القصة المكذوبة التي وضعت في التوراة افتراء على الله تعالى .
ونظر بعض المفسرين نظرة أخرى فقالوا : إن الكفر هو السحر ، فما كفر سليمان بادعائهم أنه استعان بالسحر على تثبيت ملكه . وما كفر سليمان باتخاذه السحر واعتقاد أن فيه قوة ولا وقع منه ذلك ، ولكن الشياطين الذين كانوا يتلونه على ملك سليمان ، هم الذين كفروا باتخاذهم السحر وهو كفر .
وقوله تعالى :
ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ
أي على تثبيت ملك سليمان في زعمهم ، وقال بعض علماء اللغة إن على تجىء بمعنى في ، والمعنى ما تتلو الشياطين في ملك سليمان ، وعندي أن على في موضعها من حيث إنها تعويذات ، والتعويذات تقع على موضوعها ، وموضوعها هو ملك سليمان في زعمهم الفاسد ، وكما كذب ما في توراتهم .
وقد بين سبحانه أن أولئك الشياطين لا يقتصرون على ذكر ما ادعوه على ملك سليمان ، وافتروه عليه ، وهو النبي الذي سخر الله تعالى له بعض الرياح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب ، بل يتجاوزون ذلك إلى تعليم الناس السحر فقال تعالى :
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ
.
هؤلاء الذين يسيطر عليهم الوهم ، وتخيل الناس ، فيتصورون أمورا واقعة ، وما هي بواقعة . ولكن حال السحر أهو حقيقة ثابتة أم هو تخييل وتصوير للأمور بغير صورتها فيخيل إليه أنه يرى ؟ .