تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
ضرب الأمثال بالبعوض والذباب ، وكأنهم إذ لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله وعجزوا عجزا صارخا أخذوا يثيرون الشك حول بعض أجزائه وما اشتمل عليه ، فاختاروا الأمثال موضعا لإثارة الاستغراب والعجب يتوهمون أن ذلك يضعف من تأثيره . لذا رد الله تعالى أمرهم وإثارة العجب بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
، ضرب - معناها ذكر ، والمثل هو الحال التي تشبه حالا قائمة قدرت أو وقعت ، فمعنى ضرب المثل بيان الحال التي تشبه وتمثل بحال واقعة ثابتة ، ويقول علماء البلاغة ، إن للمثل مضربا وموردا فالمورد هو الحال التي تشبه بها القول ، والتي صدر فيها ، والمضرب هو الحال التي يشبه الحال التي وقعت أو هي ثابتة . ومهما يكن فالمثل تشبيه حال غير منظورة ولكن تدركها العقول بحال أمر واقع ثابت ، والاستحياء انقباض النفس عن أن يكون منها ما يستقبحه الناس الذين يسيطر عليهم عرف قويم ، وهو أساس من أسس الأخلاق ؛ ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الحياء خير كله » « 1 » ، ولكن هذا المعنى يليق بالناس ، ولا يليق بالذات العلية ؛ ولذلك بالنسبة لله تعالى أريد لازمه ، لأن من لوازم ذلك الانقباض الترك ، إذ من استحيا من عمل شئ يتركه . والمعنى أن الله تعالت كلماته ، وتسامى قرآنه ، لا يترك خاشيا لومة لائم أن يضرب مثلا ، بأن يمثل أمرا ثابتا محققا بأمر واقع محسوس ، تقريبا للمعاني إلى ما هو محسوس ، وتوضيحا للأمور ، لتكون بينة للجميع أو لمن يصغون إلى تلقى البيان بقلب سليم ، وإدراك مستقيم .
هامش
( 1 ) أخرجه بهذا اللفظ مسلم : كتاب الإيمان ( 54 ) ، وأبو داود : الأدب ( 4163 ) ، وأحمد : أول مسند البصريين ( 18977 ) وأخرجه البخاري بلفظ : « الحياء لا يأتي إلا بخير » كتاب الأدب ( 5652 ) ، ومسلم : كتاب الأدب ( 53 ) ، وأحمد : مسند البصريين ( 1898 ) . عن عمران بن حصين رضي الله عنه .
زهرة التفاسير — صفحة 175 | محمد أبو زهرة