الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
( 9 ) « 1 » فهذه الآية قد اعتبرت البغاة مؤمنين ، فلم يخرجوا بالبغي عن الإيمان . ولكنها أمرت صراحة بوجوب قتالهم ، وفي إسقاط قتالهم إذا فاؤوا إلى أمر اللّه تعالى ، وفي أنهم قد أسقطت عنهم التبعة في ما أتلفوه في قتالهم سواء أكان مالا أو نفسا . وهي تدل في قوله تعالى :
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما *
على وجوب مراسلتهم ، والاتصال بهم للوقوف على مطالبهم قبل قتالهم .
أي أن النص القرآني يثبت الحد على البغاة ، ويبيّنه حتى يرجعوا ، ولكن بعد مراسلتهم ومحاولة إزالة ما دفعهم إلى الخروج من مظلمة أو شبهة أو خطأ فهم ، أو ما شاكل ذلك .
وإذا تمركز أهل البغي في جزء من البلاد الإسلامية ، ونصّبوا قضاة لهم يقضون بين الناس ، وأقاموا حكاما يحكمون الناس ، مطبقين أحكام الإسلام ، فإنّ حكم قضاتهم نافذ كحكم أهل العدل ، وتصرفات حكامهم كتصرفات أهل العدل ، ما دامت سائرة حسب أحكام الشرع .
فإذا قدر الخليفة عليهم أو رجعوا إلى حظيرة الدولة كانت جميع أحكامهم نافذة ، لأنها أحكام إسلامية من حكام نصبوا بناء على شبهة الخروج . وما دام البغاة مؤمنين - بحسب النص القرآني - ولا يصح التعرض لهم إلا بما لا بد منه لتأديبهم فقط ، فتصرفاتهم كلها تعتبر كتصرفات سائر المسلمين الآخرين ممن هم في طاعة الخليفة وتحت سلطان الدولة . وقتالهم إنما هو حدّ من حدود اللّه تعالى كحد السرقة ، ولكن ذلك لا يقلّل من اعتبارهم واعتبار أحكامهم ، ما داموا مسلمين ويطبقون الإسلام .
هامش
( 1 ) سورة الحجرات ، الآية : 9 .