فسألوه أن يأذن لمجمع بن حارثة أن يؤمهم في مسجدهم ، فقال لا ونعمة عين ، أليس هو إمام مسجد الضّرار ، قال مجمع يا أمير المؤمنين لا تعجل علي فو اللّه لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما ائتمروا عليه ، ولو علمت ما صليت معهم فيه وكنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا لا يقرءون ، ولذلك صليت بهم ولا أحسب أنهم على سوء نية ، ولا أحسب إلّا أنهم يتقربون إلى اللّه ، ولم أعلم ما في أنفسهم ، فعذره عمر وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء الآتي ذكره . قال تعالى
« لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً »
لأنه لم يؤسس على تقوى من اللّه
« لَمَسْجِدٌ »
عظيم عند اللّه جليل عند رسوله ، واللام فيه للابتداء ، وفيه معنى القسم ، والمراد به مسجد قباء لأنه
« أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ »
بني ، واعلم أن لفظ من عام في الزمان والمكان ، فلا محل للقول الذي نقله النّسفي رحمه اللّه بأن القياس أن يقال منذ لأنه لابتداء الغاية في الزمان ومن لابتداء الغاية في المكان ، لأن اللّه أعلم بما ينزل من الألفاظ الموافقة للمعاني المقصودة ، وإني لأعجب كلّ العجب من جرأة بعض المفسرين على مثل أقوال هكذا ، مع علمهم بأن مصدر العلوم العربية التي يتبجحون بها ويدعون معرفتها كلها مستقاة من القرآن العظيم ، وإن ما كان منها مخالفا له لا قيمة لها ولا عبرة ، فالذي جعل من بمعنى ما وما بمعنى من ألا يجعل منذ بمعنى غاية المكان ، ألا يجعل من لابتداء الغاية في الزمان كيف يقال هذا من هذا الرّجل وهي قد أنزلت على منبع الفصاحة ومصدر البلاغة ، ومع هذا يتطاولون ويقولون القياس كذا وكذا ، أيعترضون على اللّه الذي هو أعلم بما ينزل ، فلا حول ولا قوة إلّا باللّه ، راجع الآية 67 من سورة يونس ج 2 ، والآية 5 من سورة الحج المارة وابتهر بجرأة المفسرين لهما واستغفر اللّه والزم الأدب ، فهو
« أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ »
مصليا من مسجد الضّرار الذي أسس على الكفر استعدادا لحضور ذلك الرّاهب الكافر ، لأن هذا المسجد المبارك
« فِيهِ رِجالٌ »
كرام على ربهم
« يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا »
طهارة كاملة من النجاسة الحسية والمعنويّة ، والكلية الظّاهرة والباطنة ، ويأخذون فيها بالعزيمة دون الرخصة
« وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ »
( 108 ) لما نزلت هذه الآية مشى رسول اللّه