تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩

مطلب مثالب المنافقين ومصارف الصّدقات وسبب وجوبها وتحريم السّؤال :

وللعلم بما في هذه الغزوة من بعد الشّقة وكونها زمن الحر والجدب وعسرة النّاس وضيقهم ، ولعلمهم أن عدوهم فيها عدو قوي ، كان من المسلمين من تثاقل منها وأحب التخلف عنها ، أنزل اللّه تعالى في عتاب المخلفين وتوبيخهم على ما وقر في قلوبهم ، فقال عز قوله
« لَوْ كانَ »
ما استنفرتم إليه
« عَرَضاً »
مغنما
« قَرِيباً »
محله سهلا تناوله
« وَسَفَراً قاصِداً »
وسطا لا مشقة فيه
« لَاتَّبَعُوكَ »
يا حبيبي طمعا في المنافع الدّنيوية دون تروّ أو تردد ولعاتبوك على عدم استصحابهم معك ، كما مرّ في الآية 15 من سورة الفتح المارة
« وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ »
في هذه الغزوة واستطالوا مسافتها وطريقها الشّاق ، وتخوفوا من الحر وقلة الزاد والماء ، لذلك لم يلبوا دعوتك ولم يرغبوا بها فتخلف من تخلف منهم ، وصاروا ينتحلون الأعذار لتغض عنهم وتأذن لهم بالتخلف
« وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ »
لك هؤلاء المتخلفون المنافقون بأعذار كاذبة ، بينها اللّه بقوله عز قوله
« لَوِ اسْتَطَعْنا »
الخروج معك يا رسول اللّه إلى تبوك
« لَخَرَجْنا مَعَكُمْ »
ولم يعلم هؤلاء أنهم بهذه الأيمان الواهية والأعذار المنتحلة
« يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ »
لأنهم يقترفون جرما علاوة على جرمهم بالتخلف ، لأن اللّه تعالى يعلم أنهم مستطيعون على الخروج وأن ما يختلفونه من الأعذار لا صحة لها ، ولم يمنعهم مانع إلّا بعد محل هذه الغزوة وتوقع مشاقها
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
( 42 ) في حلفهم وعذرهم ، لأن هذا مدون أيضا في اللّوح قبل أن يبدوه لك يا سيد الرّسل ، وقد أظهره اللّه الآن لكم ليفتضحوا وليعلموا أن اللّه تعالى بالمرصاد لهم ولغيرهم ، لا يعزب عن علمه شيء وأنه يخبر رسوله ليطلع أصحابه عليه . واعلم أن حضرة الرّسول قبل نزول هذه الآية كان أذن لهم بالتخلف بناء على ما تقدموا به إليه من الأعذار الموثقة بالأيمان ، ولهذا فإنه تعالى عاتبه على ذلك بألطف وأرق أنواع العتاب ، إذ صدره بقوله عز قوله
« عَفَا اللَّهُ عَنْكَ »
وزادك تبصرا في هؤلاء المنافقين الّذين يبطنون غير ما يظهرون
« لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ »
بالتخلف يا سيد الرّسل حتى يحتجوا به فهلا استأنيت وترويت بإذنهم
« حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا »
باعتذارهم فتأذن