اللّه هذه الآيات . وقد سبق أن ذكرنا غير مرة جواز تعدد أسباب النّزول ، أما ما قيل بأن العباس حين أسرّ قال لعلي حين وبخه على قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا ؟ فقال علي وهل لكم محاسن وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر والضّلال ؟ قال نعم ، قال ما هو ؟ قال نعمر المسجد ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك الأسير ، فنزلت هذه الآيات فيها ، فهو قول بعيد عن الصّحة ، لأن هذه السّورة لم تنزل إذ ذاك ، وقضية العباس هذه في حادثة بدر وبينهم سنون ، ولم يستثن شيئا منها . أما ما قاله ابن الجوزي بأن الآيتين الأخيرتين منهما وهما
( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ . . . )
نزلتا بمكة فلم يوافقه على هذا إلّا ابن الغرس من جميع العلماء ، ويرد قولهما ما قاله في المستدرك عن أبي بن كعب ، وما جاء في تفسير أبي الشّيخ عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت منها أي سورة التوبة هذه ، وأنت خبير بأن ابن الجوزي كان ديدنه نقل الأقوال الضّعيفة والمختلف فيها ، وكان يعاكس رأي من تقدمه غالبا : وهذا الذي سبب له الشّهرة بين النّاس ( على حدّ خالف تعرف ) وقد اقتفى أثره من يحب الشّهرة من العلماء ويدعي التبحر بالعلم وصاروا ينقلون عنه وعن ابن تيمية الأقوال المخالفة لإجماع الأمة بذلك القصد ، وأمثال هؤلاء يجب مقتهم لأن وجودهم مفسدة للدين ، حتى أنهم شانوا سمعة ابن الجوزي وابن تيمية بحيث من لم يعرف مقامهما بظن أن كلّ أقوالهما مخالفة للاجماع ، وليس الأمر كذلك .
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جاء إلى السّقاية فقال العباس يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول اللّه بشراب من عندها ، فقال اسقني ( أي مما عندك من الشّراب ) فقال يا رسول اللّه إنهم يجعلون أيديهم فيه ، قال اسقني ( لا بأس من وضع الأيدي بالشراب ) فشرب منه ، ثم اتى زمزم وهم يستقون ويعملون فيها ، فقال اعملوا فإنكم على عمل صالح ، ثم قال لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذا ( يعني عاتقه ) . وروي مسلم عن أبي بكر ابن عبد اللّه المزني قال كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاني أعرابي فقال ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللّبن وأنتم تسقون النّبيذ أمن حاجة بكم