عنهم منهزمين منهم
« ثُمَّ »
بعد ما عرفتم أن النّصر لا يكون إلّا من عند اللّه وباعتماد عليه وصدق التوكل وكمال الثقة به تعالى ، ووقر هذا في قلوبكم إذ
« أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ »
طمأنينته بإزالة الخوف من أفئدتكم وتقليل الأعداء بأعينكم وتكثيركم بأعينهم ، وقد عمم هذه السّكينة المتضمنة ما ذكر
« عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ »
الكائنين معه في هذه الحادثة
« وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها »
من ملائكته الكرام وقد جمعهم مع أنهم نورانيون ليكثر بهم سوادكم في أعين أعدائكم وخلق فيهم قدرة النّظر إليهم دونكم لإلقاء الرّعب في قلوبهم ، ولولا ذلك لما رأوهم لأن أبصارهم لا طاقة لها على رؤيتهم ولو بصورة البشر ، وإنما حجبكم عن رؤيتهم وحال دون نظركم إليهم مع قدرته على ذلك كما فعل بأعدائكم لئلا تتكلوا عليهم وليكون اتكالكم على اللّه وحده
« وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا »
بأيديكم قتلا وأسرا وسبيا
« وَذلِكَ »
العذاب المبرح هو
« جَزاءُ الْكافِرِينَ »
في الدّنيا ولعذاب الآخرة المخبوء لهم أشد وأعظم
« ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ »
ممن يؤمن منهم
« وَاللَّهُ غَفُورٌ »
للتائبين ما سلف منهم
« رَحِيمٌ »
بعباده يقبل توبتهم رؤوف بأوليائه ينصرهم بعد الانهزام ، وقد عد اللّه تعالى عليهم الانهزام ذنبا كما أن الاعتماد على النّفس ذنب آخر يجب التوبة عنه ، وخلاصة هذه القصة هو ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما فتح اللّه عليه مكة في شهر رمضان السّنة الثامنة من الهجرة كما قد أوضحناه أول سورة الفتح المارة ، خرج بعد أيام إلى حنين لقتال هوازن وثقيف وكانوا أربعة آلاف ، وكان على هوازن مالك بن عوف النّقري ، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل ، في اثني عشر ألفا من المهاجرين والأنصار ولفيف من الطلقاء فلما التقى الجمعان قال سلمة بن سلامة بن رقيش الأنصاري لن نغلب اليوم من قلة ، فساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كلامه لأنه يعلم أن الكثرة بغير معرفة اللّه تعالى لا نجدي نفعا ، ولهذا الكلام وكلهم اللّه إلى كثرتهم لأنه تعالى لم يرض قوله ولأن أحدا من القوم لم يرد عليه قوله ، اعتبروا كلهم راضين بمقالته ، ولذلك استاء حضرة الرّسول لما بلغته مقالته تلك وسكوت القوم عليه ، فوكلهم اللّه لأنفسهم فخذلوا كما سيأتي تفصيله بعد وما قيل إن القائل لهذه الكلمة هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم زور ، وبهت وافتراء