وتهملوا فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا به ؟ وهذا استفهام معترض في وسط الكلام وفيه معنى التوبيخ على وجود الحسبان من بعضهم ؟ والخطاب المؤمنين ، وما قيل للمنافقين فليس بشيء ، ودخول أم في هذا الاستفهام للفرق بين الاستفهام المبتدأ به وبين الاستفهام المعترض
« وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ »
أي يظهر صدقه وعزيمته في الجهاد ويميزه عمن لم يجاهد حقيقة فيعلن كذبهم للملإ ودعواهم الفارغة فيفضحهم على رؤوس الأشهاد ، وإلّا فهو عالم بهم من قبل وبما يكون منهم كما هو عالم بما كان
« وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً »
أي بطانة من المشركين ، فيفشوا أسرارهم إليهم ، ولم يتخذوا خيانة للمسلمين بموالاة غيرهم فيكون وجودهم خديعة لهم ، وكلّ شيء أدخلته فيما ليس منه فهو وليجة والرّجل في غير قومه وليجة راجع الآية 51 المارة في سورة النساء فيما يتعلق في هذا المعنى ، ولم تكرر هذه الكلمة في غير هذه السّورة ، ومن معاني لما التوقع فتدل على أن ذلك قد وقع من بعضهم ، لذلك نبههم اللّه إلى اجتنابه
« وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ »
( 16 ) من موالاة الكفار واتخاذ بطانة منهم وإخلاص المخلصين للّه ولرسوله الّذين لم يوالوا غيره ولم يتخذوا سواه . قال تعالى
« ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ »
التي خصها لتوحيده والقيام بشعائره
« شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ »
أي لا يصح ولا يكون لهم ذلك ولا يستقيم فعله منهم ولا يمكنهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين عمارة بيوت اللّه تعالى مع الكفر به في حالة من الأحوال أبدا
« أُولئِكَ »
الّذين هذه صفتهم
« حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ »
التي عملوها بالدنيا من جميع وجوه البر والخير لأنها لم تكن خالصة لوجهه بل لمجرد السّمعة والرّياء ، وما كان خالصا منها فقد كوفئوا به في الدّنيا بما منّ اللّه عليهم من صحة ومال وولد وجاه وغيرها ، وحرموا ثوابها في الآخرة ، ولهذا قال تعالى
« وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ »
( 17 ) لا يتحولون عنها أبدا ومن كان هذا شأنهم ، وهذه عاقبتهم لا يكونون أهلا لعمارة مساجد اللّه المخصصة لعبادته وحده
« إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ »
في أمر دينه