مطلب في التيه والمنّ والسلوى ومخالفتهم أمر اللّه ثانيا :
قال تعالى
« وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ »
في التيه ليقيكم من حر الشمس ، إذ ليس لديكم ما تستظلون فيه رأفة بكم
« وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى »
غذاء وفاكهة لكم ، إذ ليس لديكم ما تأكلون رحمة بكم . المنّ شيء أبيض كالثلج حلو ينزل على أوراق الأشجار ليلا بقدر ما يكفيهم كلهم ، فيتناولونه نهارا .
والسلوى طير يشبه السّمان ، قد سخره اللّه تعالى إليهم وذلّله ، فيأخذون منه ما يكفيهم أيضا كل يوم ، فإذا كان يوم الجمعة يأخذون كفاية يومين وليلتين ، لأنه لا يأتيهم يوم السبت وهم لا يحل لهم تناوله فيه . روى البخاري ومسلم عن سعيد بن زيد قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين .
أي أن الكمأة شيء أنبته اللّه تعالى لخلقه من الأرض من غير سعيهم ولا مئونة منهم ، فهي منّ منّ اللّه تعالى علينا مثل المنّ لذي أنزل على بني إسرائيل لا هو نفسه ، وماؤها شفاء للعين يعرفه ذو الخبرة به ، لا لكل أمراض العيون ، كالعسل نافع لبعض الأمراض لا كلها ، وقد قال اللّه تعالى
( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ )
الآية 77 من سورة النحل ج 2 ، والضار والنافع هو اللّه تعالى . راجع الآية 17 من سورة الأنعام ج 2 ، وقلنا لهم :
( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ )
بلا تعب ولا كلفة
« وَما ظَلَمُونا »
حينما كفروا نعمتها ؛ وقالوا لن نصبر لك على طعام واحد ، كما سيأتي قريبا
« وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 57 »
ببخسهم حقنا وجحوده وعدم شكره ، لأن وباله يعود عليهم . قال تعالى
« وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ »
أريحا قرية الجبارين الآتي ذكرهم في الآية 24 من سورة المائدة الآتية ، أو بيت المقدس على قول ، وقد أمروا أن يدخلوها بعد انقضاء أربعين سنة عليهم للبقاء فيه
« فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً »
بسعة بال وطيب حال وهناءة ورفاه
« وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً »
أي باب حطة من البيت المقدس إذا كان المراد بالقرية هو ، وإنما سمي حطة لأن من دخله حطت عنه الذنوب ، وإن كان المراد أريحا فيكون المعني أي باب شئتم ، إذ لها سبعة أبواب
« وَقُولُوا حِطَّةٌ »
أي حط عنا ذنوبنا يا ربنا ، فإذا فعلتم هذا أيها الإسرائيليون
« نَغْفِرْ لَكُمْ