تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
بعد ذهاب موسى إذ كان وعدهم أولا ثلاثين ليلة ، ولم يعلموا بزيادة العشر ، فلما مضت ظنوا أنه مات ، لأن العقيدة الدينية في قوم موسى لم ترسخ في قلوبهم بعد ، مع ما أظهره اللّه على يديه من الآيات الباهرات ، ولهذا بادئ الرأي أذعنوا وسمعوا قول السامري وعكفوا على عبادة العجل ، قاتلهم اللّه ، إن موسى دعاهم إلى اللّه سنين ، وأظهر لهم المعجزات الباهرة ، فلم تثبت دعوته إلى اللّه الفاعل المختار في قلوبهم ، وبكلمة بسيطة من السامري أذعنوا حالا لعبادة العجل الذي هو من صنع يده ، وانقادوا له ، ولهذا قال تعالى
« وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ 51 »
في ذلك ، لأن العجل عبارة عن صنم ، فكيف تصدقون إلهيته بلا تأمل ، ولا تدبر وبأنه إله موسى ، وأن موسى نسيه
« ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ »
الفعل القبيح ، وقبلنا تربتكم
« لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 52 »
حسن صنيعنا بكم من قبولكم بعد الإعراض وما أسلفناه لكم من النعم التي لا تقدر ولا يقدر أحد أن يعملها معكم ، فضلا عن نعمة خلقكم وتمتعكم بجوارحكم وحواسكم وإدرار الرزق عليكم وإيوائكم .

مطلب في الشكر وتوبة بني إسرائيل والميقات الثاني :

واعلم أن الشكر ثلاثة أنواع : شكر بالقلب وهو تصور النعمة ، وشكر باللسان وهو الثناء على مؤتي النعمة ، وشكر بالجوارح وهو مكافأة المنعم على النعمة . وقيل في ذلك :
أفادتكم النعماء مني ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجبا
قال موسى عليه السّلام : إلهي أنعمت علي النعم السوابغ ، وأمرتني بالشكر ، وإنما شكري إيّاك نعمة منك ، فأوحى اللّه تعالى إليه يا موسى تعلمت العلم الذي لا فوقه علم ، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهي مني . وقال داود عليه السّلام : سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة . قال تعالى
« وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ »
التوراة
« وَالْفُرْقانَ »
عطف بيان على الكتاب ، أو معرفة الفارق ما بين الحق والباطل لأول نظرة دون تأمل ، بأن يلقي اللّه تعالى في قلبه عند مشاهدة الشيء أو سماع القول ، هذا حق وهذا باطل
« لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 53 »
بهديه