تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
للشكر ما بالهم عموا عن الرشد والهدى ، وجنحوا إلى الضلال والردى . وتقديم الصلة في الموضعين في هذه الآية للاهتمام بها ، لأنها مصبّ الأفكار ، أو للاختصاص على طريق المبالغة ، لأن الإيمان إذا لم يكن خالصا لا يعتد به ، ولأن كفران غير نعمة اللّه عزّ وجل بجنب كفران نعمته لا يعد شيئا . وقرئ الفعلان بالتاء على الخطاب ، كما قرئ بالغيبة . قال تعالى
« وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً »
فزعم أن له شريكا
« أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ »
القران المنزل من لدنه
« لَمَّا جاءَهُ »
على يد رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، أي لا أظلم من هذا أحد البتة ، ولهذا عقبه بقوله
« أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ »
68 أمثال هؤلاء بل فيها منازل كثيرة تنتظرهم وتتميّز عليهم غيظا وحنقا . تشير هذه الآية إلى تقرير مثواهم وإقامتهم ، فيها ، لأن الاستفهام فيه معنى النفي وهو داخل على المنفي ونفي النفي إثبات ، وعليه قول جرير :
ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح
والمعنى ألا يستوجبون هذا الثواء ، وقد افتروا ذلك الافتراء على اللّه تعالى ، وكذبوا بالحق مثل ذلك التكذيب ، بلى واللّه هم أهل له ولا شرّ منه . قال تعالى
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا »
في شأننا ومن أجلنا وخالصا لوجهنا
« لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »
الدالة على الخير والبر الموصلة إلى الرشد والهدى في الدنيا المؤدية إلى الجنة في الآخرة
« وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ »
69 بالنصر والمعونة والظفر في الدنيا والثواب والمغفرة والرحمة في الآخرة . وقد ختمت سورة النحل فقط بما ختمت به هذه السورة . وتشير هذه الآية إلى أن اللّه تعالى يريد أن يأمر رسوله بمجاهدة الكفار الذين لم ينزعوا عن شركهم وتكذيبه وجحد كتابه ، لأنه إنما أمره بالهجرة عن دارهم لعدم تأثير العطف عليهم بهم ، وان الرحمة التي عاملهم بها واللين والعطف لم يزدهم إلا عتوا وعنادا ، ولم يزدهم التهديد والوعيد إلا استهزاء وسخرية ومكابرة في البغي والطغيان والعدوان ، ولهذا قدم في هذه الآية الجليلة التمهيدات اللازمة لإنزال العقاب فيهم وتعجيل ما استبطئوه من العذاب الذي يطالبون به ، وكانوا يوقنون عدم وجود عقاب أو عذاب كما يتيقنون عدم وجود بعث ولا حساب ولا جزاء ، فاستحقوا جزاء معاملتهم بالقسوة والشدة ، وآن وقت قسرهم على الإيمان
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 507 | السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني