تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
بخلق السماوات والأرض إلى اتحاد الذات ، وبتسخير الشمس والقمر إلى اتحاد الصفات ، ولما كان كمال الخلق ببقائه وبقاؤه بالرزق ، واللّه تعالى هو المتفضل به . قال
« اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ »
فيوسعه عليهم إحسانا منه وكرما عليهم ولطفا بهم ، وهو ذو الطول والامتنان والعطف
« وَيَقْدِرُ لَهُ »
يضيق على من يشاء بمقتضى حكمته وسابق تقديره ، ولما كان هذا موجبا لاعتراض بعض الجهلة بين العلة لهم بقوله
« إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
62 فيوسع لمن يعلم أن صالحه بالرزق ، ولو لم يرزقه لكفر ، ويضيق على من يعلم أن صالحه في الضيق ، ولو أغناه لبغى ، وان يفعل كلّا لكل بوقته حسب حكمته ، فقد جاء بالحديث القدسي : إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ، راجع الآية 25 من سورة لقمان والآية 27 من سورة الشورى المارتين ، والأخرى ان اللّه تعالى لا يسأل مما يفعل . قال تعالى
« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ »
فعل ذلك كله
« قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ »
يا خاتم الرسل على إظهار الحجة عليهم باعترافهم . ثم نعى عليهم جهلهم بقوله
« بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ »
63 ما يقولون ولا يفهمون ما يفعلون ولا يفقهون ما يريدون ، وفي هذه الآية دلالة على بطلان الشرك وإثبات التوحيد ، وفي الإضراب ببل إيذان بالإعراض عن جهلهم الخاص بالإتيان بما هو حجة عليهم باعترافهم ، لأنهم مسلوبو العقل ، فلا يبعد عنهم مثله .

مطلب حقارة الدنيا والتعريض للجهاد :

قال تعالى
« وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ »
اللهو الاستماع الذات والاشتغال بما لا يعني ، واللعب العبث ، أي أنها عبارة عن لعب ساعة بين الأولاد ، ثم ينصرفون عنها لدورهم ، وهكذا الدنيا يلهون بها أهلها مدة ويتركونها بالموت ، والآية تشير إلى تصغيرها والازدراء بها ، لأنها عبارة عن قضاء نهمتهم فيها مدة قصيرة وهي بما فيها لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة ، والآية جاءت كضرب المثل في سرعة زوالها ، وتقلّبهم فيها وفراقهم لها . أخرج الترمذي عن سهل بن سعد