فيهم الرفق ، فاستعمل معهم الفلسفة . وما قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى
( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ )
الآية 30 من سورة التوبة في ج 3 ، ولا مجادلة أشد من السيف ، فهو قيل لا يعتد به ولا ينظر إليه ، إذ لا يتجه على ما نحن فيه ، لأن المراد بالجدال المناظرة وكونها على الوجه الأحسن هو الواجب الذي لا يجوز غيره في مبادئ الدعوة للرشد ، قال في مجمع البيان الصحيح إنها غير منسوخة . وقال بعض الأجلة إن المجادلة بالحسنى أوائل الدعوة مطلوبة ، لأنها تتقدم المجادلة بالعنف ، والمجادلة بالشدة تتقدم القتال ، فلا يلزم النسخ ولا عدم القتال بالكلية .
وأما كون النهي المستفاد من لا في ( ولا تجادلوا ) المحتج به صاحب هذا القيل من كونه يدل على عموم الأزمان فيلزم النسخ فلا يتم ما ذكره من السبب ، ويدفعه أن من يقاتل كمانع الجزية داخل في المستثنى ، فلا نسخ وإنما هو تخصيص بمتصل وكون ذلك يقتضي مشروعية القتال في مكة ليس بصحيح ، لأنه مسكوت عنه ، تأمل . وقرأ ابن عباس الا بالتخفيف على أنه حرف تنبيه وأداة عرض دالة على الطلب بلين ورفق ، أي جادلوهم بالتي هي أحسن . وعلى هذه القراءة لا يرد ما أورده مدعي النسخ البتة
« وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا »
من القرآن
« وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ »
وآمنا بما أنزل إليكم من التوراة والإنجيل والزبور من قبل اللّه لا التي بأيديكم كلها ، لأنكم حرّفتم وبدلتم بعضها قصدا ، وبعضها قد غيرت معناها الترجمة ، وهذا القول نوع من المجادلة بالأحسن ، أخرج البخاري والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون كتبهم بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا
( آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ )
الآية 136 من البقرة ج 3 ، زاد في رواية : فإن كان باطلا لم تصدقوهم ، وإن كان حقا لم تكذبوهم ، ولأن التصديق والتكذيب ليسا نقيضين ، إذ يجوز ارتفاعهما بالشك . وليعلم أن هذا الحديث الشريف صدر من النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه الآية لا مقارنا لها ، لأنها نزلت بمكة ، وهذا القول بالمدينة ، وقدمنا في الآية 17 من سورة السجدة المارة أن الأحاديث قد تذكر لمناسبة بعض الآيات سواء كان بعد نزولها أو قبله ، مما يدل على معناها ، وقولوا لهم أيضا
« وَإِلهُنا