تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
لأنك أمي لا تكتب ، وذكر اليمين زيادة تصوير لما نفي عنه صلّى اللّه عليه وسلم من الخط ، فهو مثل العين في قولك نظرت بعيني في تحقيق الحقيقة وتأكيدها حتى لا يبقى للمجاز مجاز
« إِذاً »
لو كنت تقرأ وتكتب
« لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ »
48 من قومك وغيرهم ولا تهموك بأنك تنقل من كتب الأقدمين وتتلو عليهم ما تحفظه منها ، وإلا لاحتج أهل الكتابين عليك بأنك لست نبي آخر الزمان ، لأنه موصوف بكتبهم أنه أمي ، وإذا ثبت أنك أمي فليس لهم أن يشكو برسالتك وختمك للأنبياء ، ولا يرتابوا بالكتاب الذي أنزل إليك ، لأن هذا كله مذكور في التوراة والإنجيل المنزلين من قبلنا على أنبيائهم ، تقدم اللّه تعالى إلى رسوله في هذه الآية ليعلمه أنه قادم في هجرته على أناس مذكور في كتبهم نعته على ما هو عليه ، وأخبره فيها بأنهم إذا قالوا لك في جملة مجادلتهم أنك لست نبي فقل لهم كيف ، وقد أنزل اللّه علي كتابا ، وإذا قالوا لك لعلك تعلمته فقل إني أمي ، وأهل مكة ومن حولهم يعلمون ذلك لأني لم أبرحهم ولم أتعلم الكتابة من أحد ، ولم أكن قارئا ، ووصفي موجود لديكم بما يثبت أني خاتم الأنبياء ، وهذا مما يزيل الشبهة فيّ ، ولو كنت أقرأ وأكتب لشك فيّ مشركو العرب الذين لم يتركوا شبهة إلا وألصقوها فيّ ، ولا خصلة تنافي نبوتي إلا وصموني بها ، إلا أنهم لم يتهموني بالقراءة والكتابة لتحقق عدمهما فيّ لديهم ، وقد وصف أهل مكة بالبطلان باعتبار ارتيابهم بنبوّته ووصفهم له بالسحر والكهانة والتلقي من الغير ، وكفرهم به وبكتابه ، ومن المعلوم المحقق أن حضرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أمي كما هو الواقع ، ومن قال بخلاف هذا فقد خالف كلام اللّه المصرح بأميته في الآية 157 من الأعراف في ج 1 صراحة لا تقبل التأويل ، وان أهل مكة الذين كانوا يلتقطون الزلات عليه لو علموا منه ذلك لما سكتوا ، بل لأذاعوا عنه ذلك ، كيف وأنه لما كان يجتمع مع الأغيلمة والعبيد اتهموه بأنه يتعلم منهم مع أنهم عجم لا يفقهون العربية المطلقة ، فكيف بالفصحى ؟ وقد رد اللّه عليهم في الآية 101 من النحل المارة كذبهم هذا لهذه العلة ، فراجعها ، فلهذا إن القول بأني غير أمي مخالف لصراحة القرآن ، ومخالفته كفر محض لأن كل من ينكر حرفا منه دون تأويل يكفر ، وتعليم مثل هذا القرآن ودراسته تحتاج إلى زمن طويل لما فيه من تفصيل الأحكام