تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
وبلاغة الكلام وفصاحة الألفاظ ، ولا يمكن تلقيه بحالة لم يطلع عليها أهل مكة لأني بين أظهرهم صباح مساء وليل نهار ، وهذا قبل النبوة لم يختلف فيه اثنان ، أما بعدها فقد وقع اختلاف في تعليمه القراءة فقط ، وهذا العلم بالقراءة على طريق المعجزة ، ولهذا فإن ما جاء عن مجاهد والشعبي أنه عليه الصلاة والسلام ما مات حتى كتب وقرأ ، وروى هذا ابن أبي شيبة أيضا ، وإن حجتهم ما رواه ابن ماجة عن أنس قال : قال صلّى اللّه عليه وسلم رأيت ليلة أسري بي مكتوبا على باب الجنة الصدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية عشر ، الحديث . والقدرة على القراءة فرع عن الكتابة ، وما جاء في صحيح البخاري وغيره عند كتابة صلح الحديبية ما لفظه فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الكتاب ، وليس يحسن يكتب ، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللّه الحديث المشهور ، وقال بهذا أبو ذر وعبد بن أحمد الهروي وأبو الفتح النيسابوري وأبو الوليد الباجي من المغاربة ، وحكاه عن السّماني وصنف فيه كتابا ، وسبقه إليه ابن منبّه ، هذا وإن معرفته الكتابة بعد أمّيّته ونبوته صلّى اللّه عليه وسلم لا تنافي المعجزة ، بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم ، لهذا قال بعضهم صار صلّى اللّه عليه وسلم يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها ، وعدم معرفتها قبل بسبب المعجزة لهذه الآية ، فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب تعرف الكتابة حينئذ ، وذلك بإقدار اللّه تعالى إياه بدون تعلم من أحد ، وهذا معجزة له أيضا وأول ذلك قراءة ما هو مكتوب على باب الجنة المار ذكرها ، وقوله هذا قد يتجه في القراءة ، أما في الكتابة فلا ، لما جاء في الحديث الصحيح : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب . وعليه إن كل ما ورد من أنه كتب يكون معناه أمر بالكتابة ، كما يقال كتب السلطان بكذا لفلان ، ومن المعلوم أن للسلطان كتبة يكتبون له ذلك بأمره ، لا هو نفسه ، وقد جاء في الآيتين 94 / 105 ( وإنا له لكاتبون ) ( ولقد كتبنا في الزبور ) من سورة الأنبياء المارة ، فالمراد بالأولى واللّه أعلم حفظته الموكلون بتسطير أعمال الخلق ، وفي الثانية أمره للقلم بكتابة ما كان وما يكون الذي من جملته ما كتب في الزبور كما بيناه أول سورة القلم في ج 1 . هذا ، وتقدم قوله تعالى ( من قبله ) على قوله ( ولا تخطه ) كالصريح في أنه عليه الصلاة لم يكتب مطلقا .