تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
المؤمنين مع أن عموم الهداية والإرشاد في خلقهما يتحقق للكل ، لأنهم هم المنتفعون بعبرها وغير المؤمن يقتصر نفعه فيهما على ظاهر الدنيا وقد يزداد كفرا إذا نسب إليهما التأثير الفعلي الذاتي ، أما المؤمن فيزداد إيمانا بنسبة كل ما في الكون إلى خالقه فينتفع في الدنيا والآخرة . قال تعالى
« اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ »
واستمر على تبليغه وداوم على تلاوته لتزداد تقربا من اللّه ، وذلك أن الكامل يقبل الكمال وهو صلّى اللّه عليه وسلم يترقى في الكمالات إلى يوم القيامة ، بل إلى يوم يلاقي ربه في الجنة المعدة لحضرته ، فلا يقال إنه غير محتاج إلى دعاء أمته لمخالفته قوله تعالى
( صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )
الآية 57 من الأحزاب في ج 3 ، وأما أمره بدوام تلاوة القرآن لأن في تلاوته تذكرا لما في تضاعيفه من المعاني ، وحملا للأمة على العمل بما فيه من الأحكام ومحاسن . الأخلاق ومكارم الآداب ، وتذكيرهم بما لهم وعليهم
« وَأَقِمِ الصَّلاةَ »
أدأب على إقامتها ، وجاء هذا الأمر متضمنا أمر أمته بها لأنهم تبع له ، وقد خصّها بالذكر لأن ما يختص بالعبد من العبادة ثلاث : الأولى عبادة قلبية وهي الاعتقاد الحق ، وعبادة لسانية وهي الذكر الحسن ، وبدنية وهي العمل الصالح ، فالاعتقاد لا يتكرر لأن من اعتقد شيئا لا يعتقده مرة أخرى بل يستمر اعتقاده ، والذكر الحسن والعبادة البدنية يتكرران ، وكلها توجد في الصلاة ، فمن أقامها فقد أقام العبادات بأنواعها إلى ربه عزّ وجل . وانظر إلى ما علل به هذه العبادة بقوله الجليل
« إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ »
راجع الآية 32 من الأعراف في ج 1 تجد معنى الفواحش كلها وما يتعلق بها أما المنكر فهو ما لا يعرف في الشرع وينكره العقل ، وإنما كانت الصلاة الحقيقية ناهية عن ذلك لتضمنها صنوف العبادة من التكبير والتسبيح والتهليل والقراءة والوقوف بين يدي الإله العظيم والركوع لهيبته والسجود لجلاله والخشوع لمجده والخضوع لكبريائه ، فمن كان مراعيا لها محافظا على شروطها وأركانها جرته إلى طرق الخير ونهته عن كل فاحشة ومنكر ، وصارت كأنها تنادي فاعلها : لا تعص ربا هو أهل لما أتيت به ، وهو المستحق لأن يعبد ويشكر . روي عن أنس قال : كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم لم يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه ،