اللّه تعالى أذن له بالهجرة إلى المدينة وحذره من أن يبيت في مكانه ، فألهمه اللّه أن يأخذ قبضة من تراب عند خروجه ، فأخذها وخرج من بيته متوكلا على ربه ، ومر من بينهم فلم يره أحد منهم ، إذ أخذ اللّه أبصارهم ، فنثر على رؤوسهم التراب وكان يقرأ
( إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ )
الآيتين 8 / 9 من سورة يس ج 1 ، وكان أرسل إلى علي كرم اللّه وجهه وأخبره الخبر وخلفه بمكانه وعلى مكة كي يؤدي الأمانات والودائع لأهلها ، لأن الناس كانت تأمنه على ما عندها لصدقه وأمانته وتسميه الأمين ، وذهب إلى بيت أبي بكر وأخبره الخبر ، فقال الرفقة يا رسول اللّه ، قال نعم ، فأخذه وذهب إلى الغار غار ثور واختبأ به ، وبات شبان قريش ينتظرون خروجه من الدار ليقتلوه ، لأنهم لم يتجاسروا على الدخول عليه في بيته لهيبته ، ولأن البيوت كانت محترمة عندهم ، ومن هنا أخذت قاعدة عدم الدخول على البيوت لإخراج من يختبئ فيها من المجرمين حرمة لأهلها وجواز الإحاطة بها من قبل الشرطة والدرك ، ولم يعلموا أنهم باتوا يحرسون عليا عليه السلام الذي فادى رسول اللّه بنفسه ، فلما أصبحوا خرج علي فثاروا عليه ثورة رجل واحد ليقتلوه كما أوصاهم رؤساهم ، فإذا هو علي ، فقالوا له أين صاحبك ؟ قال لا أدري وأنشد كرم اللّه وجهه يشير إلى ما منّ اللّه به عليه ، فقال لا فضّ فوه :
وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به * فنجاه ذو الطول الإله من المكر
وبات رسول اللّه في الغار آمنا * وقد سار في حفظ الإله وفي ستر
وبت أداعبهم وما يتهمونني * وقد وطنت نفسي على القتل والأصر
ولما سقط في أيديهم وتيقنوا أنهم خابوا فيما بيّتوه له ولم يعلموا كيف أفلت منهم وزاد أساهم حينما رأوا التراب على رؤوسهم وعرفوا أنه هو الذي حثاه عليهم وأنه لم يعبأ بهم ولم يكترث بمكرهم ؛ اقتفوا أثره فلم يجدوه ولم يقعوا على خبره ، وأرسلوا الرسل في طلبه يمينا وشمالا فلم يعثروا عليه ، ثم قصدوا الغار فرأوا العنكبوت معشعشا عليه فقالوا لو دخله لتمزق نسيج العنكبوت . وسنأتي على بقية هذه القصة