إذا قيل من رب المزالف والقرى * ورب الجياد الجرد قلت لخالد
وتشير هذه الآيات الثلاث لتقريعهم وتوبيخهم على عبادة غير اللّه المالك لهذه الأشياء المتصرف بها القادر على كل شيء ، وتنبيه على أن الفاعل لتلك قادر على إحيائهم بعد موتهم ، وأن إنكارهم وجحودهم ما هو إلا محض عناد وعتو بعد اعترافهم بأن اللّه تعالى الخالق المالك للسماوات والأرض ومن فيهما وعليهما وتحتها وفوقهما .
قال تعالى
« بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ »
هذا إضراب عن قولهم أن الإخبار بإيجاد البعث من أساطير الأولين ، أي إننا يا سيد الرسل لم نأتهم بما فاهوا به ، وإنما أتيناهم بالصدق وأخبرناهم بما أخبرناهم بالحق
« وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
90 في جحودهم ونسبة الولد والصاحبة والشريك ، ولهذا أكد فريتهم هذه بقوله
« مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ »
فكيف ينسبون إليه الملائكة بأنها بناته كما نسب اليهود والنصارى بنوة عزيز والمسيح إليه من تلقاء أنفسهم أيضا ، تعالى عن ذلك ، ثم أكد الجهة الأخرى بقوله
« وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ »
آخر قط فهو المتفرد بتدبير ملكه المبرأ عن المعين ، فكيف ينسبون له الشريك ؟ وقد قال إنما هو إله واحد ، وقال وأمتكم واحدة ، ونهى عن التفرق في الدين ، ونهى عن الاختلاف فيما جاءت به الرسل ، لأن طريقتهم واحدة ، وأصل الدين الذي أمروا باتباعه واحد ، والمرسل والشارع الحقيقي هو الواحد واحد ، راجع الآية 52 المارة والآية 59 من سورة الأنعام المارة وما ترشدك إليه والآية 59 من سورة الأنبياء المارة أيضا ، ثم علل ذلك بقوله جل قوله
« إِذاً »
لو كان كما يزعمون من وجود الشريك
« لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ »
ليختص به منفردا عن الآخر ولا يشركه فيه ، ولا يرضى الانقياد لغيره ، ولامتاز ملك كل منهما عن الآخر ومنعه من الاستيلاء عليه
« وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ »
في الخلق والقدرة والعظمة وغالبه عليها ليكون أكبر منه ولبسط سلطانه عليه كما يفعل ملوك الدنيا ، وإذ لم ير شيئا من ذلك ولا أثر للتمايز والتغالب والتعاظم في الملك مما يقع لملوك الدنيا . فاعلموا أيها الناس أنما هو إله واحد بيده ملكوت كل شيء في السماء والأرض ، راجع الآية 22 من الأنبياء المارة في برهان التمانع ، ثم نزّه ذاته الطاهرة عن تقولاتهم هذه كلها بقوله