تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
واعلم أن من قال إن هذه الآية ناسخة لآية المتعة المزعومة في الآية 24 من سورة النساء لا ثقة بقوله ، لأن هذه مكية متقدمة عليها بالنزول ، وتلك الآية مدنية متأخرة عنها ، والمقدم لا ينسخ المؤخر قولا واحدا . وكذلك القول في الآية 10 من سورة المعارج الآتية لا تكون ناسخة لها للعلة ذاتها والسبب نفسه . وعلى من يدعي العلم ويقول بالنسخ أن يتثبت من معرفة أحواله وقواعده ثم يقول ، لا انه رجما بالغيب بادئ الرأي ، فيعرض نفسه للقدح والوصم بجرأته على كتاب اللّه المنزه عن كل ثلب . ولنا بحث في المتعة نبديه إن شاء اللّه في تفسير آية النساء المذكورة أعلاه فراجعه . قال تعالى
« وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ »
8 محافظون لما ائتمنوا عليه من مال وغيره مراعين به حق اللّه مؤدين له لأربابه حال طلبهم كما استلموه منهم ، إذ لا يجوز لهم التصرف بالأمانة ، وموفون بما عاهدوا اللّه عليه قبل وبعهدهم لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما عقدوا ويعقدوا بينهم من العهود للمؤمنين وغيرهم مهما كان دينهم ، لأن الوفاء بالعهد واجب لأي كان ، راجع الآية 34 من سورة الإسراء ج 1 والآية 91 فما بعدها من سورة النحل المارة ، وأصل الرعي حفظ الحيوان ، ثم استعير للحفظ مطلقا . والأمانة منها ما يكون بين العبد وربه كالوضوء والصلاة والصوم وغسل الجنابة وغيرها مما أوجبه اللّه تعالى على عباده مثل البر باليمين ، وما يتعلق بالأقوال التي تحرم بها النساء والإماء ويعتق بها الجواري والعبيد لأنه مؤتمن في ذلك فيما بينه وبين ربه ، قال تعالى
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ )
الآية 37 من الأنفال في ج 3 ، وقال عليه الصلاة والسلام أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته . وجاء عن ابن مسعود : أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة . ومنها ما يكون بين الناس أنفسهم كالودائع والعقود والضائع والأسرار فيجب المحافظة عليها والوفاء بها ، إذ لا فرق بين من يفشي سرا ائتمن عليه ، وبين من يختلس مالا استودعه . الحكم الشرعي : وجوب حفظ الأمانة بالمحل الذي يحفظ به ماله من جنسها ، وإذا لم يفعل وطرأ عليها طارئ فإنه يعد مقصرا شرعا ويضمنها إذا سرقت أو تلفت ، ويصدق بردّها بقوله دون حاجة لإقامة حجة ، وإن أقامها براءة لذمته جاز ، وليس للمودع تكليف