تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
وإن شأنهم في قدم النبوة أعلى من غيرهم وشهرتهم في الكون أكثر من غيرهم ، ولأن جهادهم في استمالة قلوب الكفرة وأهل الزيغ بلغ الغاية القصوى ، ولهذا فإن كلّا من الأمم متفقة على نبوتهم وحبهم عدا قسم من اليهود المنكرين نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، وتقدم البحث في هذا أيضا في الآية 57 من سورة المؤمن المارة واعلم أنه لم يرسل نبي إلا وله شرع أمر بإقامته ، وإن الدين عند اللّه هو دين الإسلام ، دين إبراهيم عليه السلام أبي الأنبياء ، وخاصة فيما لم يقع فيه اختلاف قط ، وهي الأصول الثلاثة : التوحيد والنبوة والمعاد ، وتوابع هذه الأصول ثلاثة أيضا : الإيمان بالكتب السماوية وبالقضاء والقدر والطاعة للرسل .
« وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ »
لأن إقامته مع الاختلاف تؤدي إلى التفرقة وهي مذمومة في غير أمر الدّين فكيف به ، هذا أمر اللّه عباده بإقامة الدين والاجتماع عليه ، وتقدم بحث هذا أيضا في الآية 159 من سورة الأنعام المارة فراجعها . وأعلم أن ليس المراد من إقامة الدين هنا الشرائع الأخرى ، لقوله تعالى
( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً )
الآية 48 من سورة المائدة ، لذلك فإن ما يعود المرسل الأول يكون بمقتضى شرائعهم ، وما يعود لنبينا محمد وأمته يكون بحسب ما أنزل اللّه عليه وشرعه على لسانه لأن شريعته ناسخة لما قبلها وباقية إلى الأبد وصالحة لكل زمان ، ولهذا ختم بها جميع الشرائع كما ختم بصاحبها باب النبوة ، إذ بلغت الكمال اللائق ، ولا يصلح الكون إلا بتطبيقها ، فعلى أولي الأمر السهر عليها والعمل بها ليتم لهم الأمر ويستتب الأمن ، قال تعالى
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً )
الآية 3 من سورة المائدة في ج 3 ، وقال تعالى
( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ )
الآية 85 من آل عمران في ج 3 ، فيا أيها الناس أرضوا بما رضيه اللّه لكم ، واعملوا به ، لأن العمل بغيره لا يقبله اللّه وتكون عاقبته الخسران
« كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ »
من رفض عبادة الأوثان ولم يعظم عليهم رفض عبادة الرحمن ، لهذا فإنهم ليسوا بأهل لأن يختارهم اللّه لإقامة دينه
« اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ »
من عباده الصالحين لذلك الدين القويم
« وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ