تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً »
12 فيها بأن يعطيكم من الخيرات أكثر مما كنتم عليه قبلا ، وقال لهم هذا ليحركهم على الإيمان ويرغبهم بما يحدث عنه ، لأنهم كانوا يحبون الأموال والأولاد فأتاهم من حيث تميل إليه نفوسهم وطبعهم ، روي عن الربيع بن صبيح أن رجلا أتى الحسن البصري ( واعلم أنه كلما أطلق لفظ الحسن فقط فالمراد به هذا ) فشكا إليه الجدب ، فقال استغفر اللّه ، وشكا إليه آخر الفقر ، فقال استغفر اللّه ، وشكا إليه آخر قلة النسل فقال استغفر اللّه ، وشكا له آخر قلة ربيع أرضه فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له الربيع أتاك رجال يشكون أمورا متباينة فأمرتهم كلهم بالاستغفار ، فيكون دواء واحد لعلل مختلفة ، فقال ما قلت من نفسي إنما اعتبرت قول اللّه عزّ وجل حكاية عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه استغفروا ربكم ) الآية . ولما رآهم عليه السلام لا يلتفتون إليه ولا يصغون لهداه هددهم بما حكاه اللّه عنه بقوله
« ما لَكُمْ »
يا قوم أي شيء جرى لكم وما شأنكم ولم
« لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً »
13 فلا تعتقدون عظمته ولا تقدرون هيبته ؟ والوقار معنى السكون والحلم ، وجاء هنا بمعنى العظمة والجبروت ، لأنه يتسبب عنها في الأغلب ، وعليه يكون المعنى لما ذا لا تأملون للّه تعظيما موجبا للإيمان به والطاعة إليه ، ومن قال إن رجا بمعنى خاف واستدل بقول الهذلي : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ، غير سديد ، لأن الرجاء ضد الخوف في اللغة المتواترة الظاهرة والقول به يوجب ترجيح رواية الآحاد على التواتر ، وهو غير جائز لإمكان التوسع بالألفاظ وجعل المثبت منفيا وبالعكس ، وهذه الطريقة لا تسلك في الألفاظ القرآنية قطعا .

مطلب أطوار الإنسان رباني عبدة الأوثان وعذاب القبر :

قال تعالى
« وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً »
14 من حيث الجنسية كالطير في الضعف والاحتياج عند خروجه من البيضة فلا أضعف ولا أخرج للمداراة منه ، وفي الصفة في كمال الخلق ، فمنكم العالم والجاهل ، والجليل والحقير ، والغني والفقير ، والكريم والبخيل ، والسهل والصعب ، والمريض والصحيح ، وفي الكيفية في الصور من تمام الخلقة وناقصها ، وحسن الخلق وسيئه ، وحسن الخلق وقبحه ، والدميم والقبيح ، وفي ابتداء خلقكم أيضا طورا بعد طور ، وتارة بعد تارة ، وكرة بعد كرة بصورة