هذا ، ولما سألت قريش حضرة الرسول عنهم كما ذكرنا في الآية الثامنة المارة آنفا قال لهم غدا أخبركم ، لأنه لا يعرف عنهم شيئا ولم يوح إليه بهم قبل سؤالهم ولا وقته ، فأخّر الجواب انتظارا لنزول الوحي عليه لأنه لا ينطق عن هوى ، وبما أنه عليه السلام لم يقل إن شاء اللّه لم يوح إليه في الغد ، ولبث الوحي أياما لئلا يغفل مرة ثانية عن إسناد المشيئة للّه في كل حركاته وسكناته ، ثم أنزل اللّه تعالى أثر قصتهم هذه قوله جل قوله
« وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ »
من الأشياء أبدا
« إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً »
23 على الجزم بل لا بد من أن تعلقه بالمشيئة فنقول
« إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
إذ لا يقع شيء دون مشيئته ، فإذا قلت إني عازم أن أفعل أو أتكلم كذا فقل متصلا إن شاء اللّه ، لأنك لا تدري أتوفق لذلك أم لا ، وهذا نهي تأديب من اللّه لحضرة رسوله وتعليم لأمته كي تفتدي به
« وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ »
المشيئة في قول أو فعل وقلها عند تذكرك . الحكم الشرعي : يمتد الاستثناء عند ابن عباس سنة ، مثلا إذا قال قولا أو حلف فيجوز لديه أن يتبع قوله ذلك على الفعل والقول بالمشيئة إلى سنة . وقال الحسن إلى أن يتفرقا من المجلس ولا يمتد بأكثر من ذلك ، وجوّز بعض العلماء إلحاقها في الزمن القريب ولم يجوزه الآخرون إلا متصلا بالقول أو الفعل ، وهذا ما عليه العمل الآن ، وقد دسّ بعض الناس إلى الخليفة العباسي بأن أبا يوسف يخالف في حكمه قول جده ابن عباس بقصد أن ينال منه ، فأرسل إليه وسأله قال له نعم ، لأن هذا القائل يريد أن يبايعك اليوم ويعطيك ما شئت من عهد وميثاق ويمين ويقول بعد ذلك إن شاء اللّه فينقضي بغيك ، وقد أردت سد هذا الباب لئلا يتمسك أحد بقول جدك فيكون حجة عليك ، فاستحسن ذلك منه وأقره وجعل عليه العمل ، وهو رحمه اللّه أخذه من هذه الآية إلا أنها مقيدة بالنسيان فلا يجوز تطبيقها بعدمه .
« وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً »
24 من هذا الذي أنا عليه في نبأ أصحاب الكهف وغيرهم من الآيات والحجج الدالة على نبوتي ، وهذا لأن الكامل لا يزال يترقى في الكمالات مهما علت رتبته فيها ، وعليه فلا محل للقول بأن الذي عليه الرسول هو غاية الرشد ولا أقرب مما هو عليه ، لأن الكمالات