الآية 8 المارة آنفا ، وقدمنا في الآية 65 من سورة يس في ج 1 ما يتعلق في شهادة الأعضاء من الأحاديث ما به كفاية فراجعها ، فإذا كان اللّه تعالى وكل بالإنسان حفظة يحصون عليه أعماله وأنفاسه ، وفضلا عن هذا فإنه يستنطق جوارحه عما يقع منها ، فينبغي للمؤمن أن لا يمر عليه حال إلا بملاحظة ربه عزّ وجل ، فإن عليه رقباء منه ، قال أبو نواس :
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل * خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن اللّه يغفل ساعة * ولا أن ما يخفى عليه يغيب
ويكفيك قوله تعالى
( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ )
الآية 42 من سورة إبراهيم الآتية ، ولا يستغرب نطق الأعضاء بما وقع منها بقدرة اللّه تعالى ، بعد أن نرى الأسطوانة تتكلم بما وقع عليها ، والشريط السينمائي ينطق بما تكلم عليه على اختلافه ، وهما من صنع البشر ، فما بالك بما هو من صنع اللّه خالق البشر ، إذا لا يتطرق أحدكم بالظن في ذلك فيهلك ، وقد قال تعالى
« وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ »
أوقعكم في الردى ، أي الهلاك ، وفي هذه الإشارة الدالة على البعد إيذان بغاية بعد منزلة ظنهم في الشر والسوء
« فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ »
23 بسبب ظنكم ذلك ، لأن اللّه تعالى أنعم عليكم في هذه الجوارح لتستعملوها فيما خلقت لها فتنالوا سعادة الدارين ، فإذا حرفتموها لغير ما خلقت لها كانت سببا لشقائكم فيها ، لأن استعمالكم إياها في طرق الخير يؤدي إلى إدراك ما تهتدون به إليه من اليقين ومعرفة رب العالمين الموصلة للسعادة الأبدية ، وصرفها لغير ذلك يؤدي إلى كفران النعمة الموصل إلى الشقاء الأبدي ، قال بعد أن حكم عليهم بشهادة أنفسهم وأعضائهم
« فَإِنْ يَصْبِرُوا »
على ما صاروا إليه من العذاب أو لا يصبروا
« فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ »
لأن صبرهم ليس فيه مظنة الفرج حتى يأملوا الانتفاع به فصبرهم وفجرهم بحقهم سواء ، والآية هذه على حد قوله تعالى
( أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ )
الآية 20 من سورة إبراهيم الآتية ، وقوله تعالى
( فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ )
الآية 16 من سورة الطور الآتية
« وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا »
يطلبوا العتبى والرضاء
« فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ »
24