النار ، والبون شاسع بين الحالتين فليس من أقعد على بساط الموافقة ، كمن أجلس مع مقام المخالفة ، ولا بد من الفرق وإعلاء المؤمنين وإخزاء الكافرين في يوم لا شفيع فيه ولا معين إلا من رحم اللّه ، وأذن له بالشفاعة . قال مسروق : قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تميم الداري ، ولقد رأيته قام ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب اللّه يركع بها ويسجد ويبكي
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ )
الآية ، ولما بلغها الفضيل جعل يرددها ويبكي ويقول ليت شعري من أي الفريقين أنت يا فضيل ؟ . قال تعالى
« وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ »
ويعدل فيهما بين خلقه بالحق فينصف المظلوم من الظالم ويظهر التفاوت بين المسئ والمحسن ، فإذا لم يكن كل ذلك في الحياة لأمور اقتضتها حكمته فلا بد من كينونها في الممات أي بعده حتما . وهذه الآية بمعرض الإنكار على حسبانهم تساوي الفريقين بدليل قوله
« وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ »
في دنياها
« وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
22 في الآخرة فلا يزاد على جزاء الظالم ولا ينقص من مكافئات المحسن .
مطلب تفنيد مذهب القدرية وذم اتباع الهوى وأقوال حكيمة ، والدهر :
قال تعالى
« أَ فَرَأَيْتَ »
أيها الإنسان الكامل
« مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »
فصار تبعا لما تهواه نفسه
« وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ »
منه بعاقبة أمره
« وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ »
فلم يجعله يسمع الهدى
« وَقَلْبِهِ »
فلم يدعه يعقله
« وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً »
فلم يتركه يراه فمن هذا شأنه أخبروني
« فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ »
استفهام إنكاري ، أي لا يهديه أحد البتة لأنه لا يجاب إلا بلا
« أَ فَلا تَذَكَّرُونَ »
23 أيها الناس فنلاحظون وتقولون لا هادي إلا اللّه ، ولا مضل لمن هداه ، ولا هادي لمن أضله .
قال الواحدي : لم يبق للقدرية مع هذه الآية عذرا وحيلة لأن اللّه تعالى صرح بمنعه إياه عن الهوى حتى أخبر بأنه ختم على جوارحه كلها وعطلها عن النظر إلى طريق الهدى ، وقيل في هذا المعنى :
إذا طلبتك النفس يوما بشهوة * وكان إليها للخلاف طريق
فدعها وخالف ما هويت فإنّما * هواك عدو والخلاف صديق