« قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ »
في سعة من الرزق موسرين غير محتاجين لأكل أموال الناس باطلا بالخلسة
« وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ
84 » بكم وباله لا يترك منكم أحدا ، ويبدل اللّه خصبكم قحطا ، وسعتكم ضيقا ، ورخصكم غلاء ، فيسلب نعمكم كلها ويحل بكم نقمه إن لم تتوبوا من عملكم هذا ، وذكرنا في الآية 85 من الأعراف أن مدين أحد أولاد إبراهيم عليه السلام ، وأنه بنى المدينة هذه فسمّاها باسمه ، والمراد أهلها ، ثم أكد عليهم بما يزيد في زجرهم بقوله
« وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ »
العدل ، بتقويم لسان الميزان ومكانه وتسوية المكيال من كل أطرافه ، وفائدة التصريح بالأمر بالإيفاء مع أن النهي الوارد في الآية السابقة يستلزمه ، لأن النهي عن الشيء عين الأمر بضده أو مستلزم له تضمنا أو التزاما ، لأن الخلاف بمقتضى اللفظ ، لا أن التحريم والوجوب ينفك عن مقابلة الضدّ . النعي بما كانوا عليه من القبح وهو النقص مبالغته بالكسف ، ثم الأمر بالضد مبالغته في الترغيب وإشعارا بأنه مطلوب أصالة وتبعا مع الإشعار بتبعية الكفر عكسا ، وتقييده بالقسط يفيد أن الفضل الزائد يكون محرّما أيضا كالنقص ، لأن النقص سرفة من المشتري والزيادة سرفة من البائع ، وهذا ما هو واقع ببعض بلادنا ، ولا مانع ولا وازع ، لأن من الكيالين والملتزمين للباحات التي يباع بها الحبوب وغيرها يفعلون ذلك على علم ومرأى من الحكومة ، فنسأل اللّه أن يبصّر المؤمنين بعيوبهم ويرشدهم للسداد والصواب في كل أمورهم
« وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ »
أي لا تنقصوا أموالهم ، وفيه معنى التكرار لما سبق أيضا تحذيرا من عاقبة الأمر ومبالغة بالتأكيد ، لأن التكرار مرتين يفيد شدّة الاهتمام والعناية بالمنهي عنه أو المأمور به ، فكيف إذا كان ثلاثا
« وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
85 » وهذا تذييل وتتميم لما تقدم من الأمر والنهي .
واعلم أن العثي يعم تنقيص الحقوق كلها ، لأن معناه مطلق الفساد ، وإنما أكّده بلفظ من معناه إعلاما بأن فعلهم هذا قبيح بذاته ، مشين لهم ، فيه مفسدة لمصالح دينهم وأمر آخرتهم ، ولهذا يقول
« بَقِيَّتُ اللَّهِ »
التي أبقاها لكم من الحلال في