عِبادِكَ الصَّالِحِينَ »
19 من آبائي إبراهيم وإسماعيل ومن قبلهم ، ثم أمر العسكر بالنزول إلى الوادي ، فاصطف كعادته وسار وركب هو البساط وأمر ملأه فركب حوله كهيئته المارة ، ثم نظر إلى الطير المحلق فوقه فرأى كوة بينه
« وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ »
ليعلم الغائب منه ، لأنه إذا حلق فوق البساط لم يترك كوة ينفذ منها شعاع الشمس على من فيه
« فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ »
إذ عرفه أنه هو الغائب الذي سبب وجود الكوة ونفوذ الشمس ، ربما أن الهدهد له أهمية بالنسبة لغيره عدا سد الكوة لأنه الدليل على الماء إذ يعرف بتعريف اللّه إياه الأرض التي فيها الماء وقربه وبعده فيها بمجرد نظره ، فيرى الماء داخلها كما يرى الناس الماء في الزجاجة وكما يرى القرلى السمك بأرض الأنهار وهو عائم فوقها ، فيسقط ويأخذها .
سبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ولما تحقق عند سليمان غياب الهدهد قال
« أَمْ »
بل
« كانَ مِنَ الْغائِبِينَ »
20
ولما كان غيابه بغير إذن منه توعده ، فقال
« لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً »
قالوا بحبسه مع ضدّه بالشمس أو بنتف ريشه أو يفرق بينه وبين إلفه ، هذا إذا جاء عليه بشيء أوجب غيابه لمجرد عدم الاستئذان ، أما إذا كان تخلفه عن وجوده بمحله دون معذرة فتشدد عقوبته ، ولهذا قال
« أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ »
21 حجة واضحة على غيبته بصورة اضطرارية لا يتمكن معها من الاستئذان ، فإنه ينجو من العذابين المذكورين ، قالوا ثم أرسل العقاب يطلبه فذهب
« فَمَكَثَ »
يتحراه
« غَيْرَ بَعِيدٍ »
أي مدة يسيرة وانتظره سليمان انتظارا قليلا ، فوجده الغراب وأخبره بما توعده به سليمان ، فقال له أو ما استثنى ؟ قال بلى ، وذكر له كيفية الاستثناء ، قال نجوت إن شاء اللّه ، فسار معه حتى أحضره أمام سليمان ، فرفع الهدهد رأسه وأرخى ذنبه ، وحط جناحيه في الأرض تواضعا وخشوعا وخوفا منه ، ولما سأله عن تخلفه ، قال قبل أن يبدي حجته : يا نبي اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه عزّ وجل ، فارتعد سليمان لكلامه هذا ، وعفا عنه قبل إبداء عذره ، هكذا كانت الأنبياء وهم ملوك فتخلقوا أيها الناس بأخلاقهم ، واقتدوا بأفعالهم وأقوالهم ، فلو أن أحدنا مكانه لضرب به الأرض حالا دون رويّة .