ومنها : تدعيم الأسوار والحصون في الثغور ، وتقويتها بذوب الرصاص وبوضع صفائح النحاس ، خلال الصخور الصم ، صدقا في العمل ونصحا فيه . لينتفع به على تطاول الأجيال . فإن البناء غير الرصين لا ثمرة فيه .
ومنها : مشاطرة الملك العمال في الأعمال ومشارفتهم بنفسه إذا اقتضى الحال ، تنشيطا لهمتهم وتجرئة لهم وترويحا لقلوبهم . وقد كان الإسكندر يقاسم الرجال الأتعاب ، ويدير العمل بنفسه ، كما بينه الذكر الحكيم في قوله :
آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً
.
ومنها : تعريف الغير ثمرة العمل المهم ، ليعرفوا قدره فيظهروا شكره . ولذا قال
هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي
.
ومنها : الإعلام بالدور الأخرويّ ، وانقضاء هذا الطور الأوّليّ ، لتبقى النفوس طامحة إلى ذلك العالم الباقي والنعيم السرمديّ . ولذا قال
فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي
.
ومنها : الاعتبار بتخليد جميل الثناء ، وجليل الآثار . فإن من أنعم النظر فيما قص عنه في هذه الآيات الكريمة ، يتضح له جليّا حسن سجاياه وسمو مزاياه . من الشجاعة وعلوّ الهمة والعفة والعدل . ودأبه على توطيد الأمن وإثابته المحسنين وتأديبه للظالمين . والإحسان إلى النوع البشريّ ، لا سيما في زمان كان فيه أكثر عوائد وأخلاق الأمم المتمدنة وغير المتمدنة ، وحشية فاسدة .
ومنها : الاهتمام بتوحيد الكلمة لمن يملك أمما متباينة . كما كان يرمي إليه سعى الإسكندر . فإنه دأب على توحيه الكلمة بين الشعوب ومزج تلك الأمم المختلفة ليربطها بصلات الحب والعوائد . وقد حكي أنه كان يجيّش من كل أمة استولى عليها ، جيشا عرمرما ، يضيفه إلى جيشه المكدونيّ اليونانيّ . ويأمر رجاله أن يتزوجوا من بناتهم ، لتوثيق عرى المحبة والارتباط ، وإزالة البغض والشحناء .
ومنها : الاعتبار بما يبلغه الإنسان ، وما فيه من بليغ الاستعداد . يقضي على المرء أن يعيش أولا طفلا مرضعا . لا يعلم ما حوله ولا يطلب غير ما تحتاج إليه طبيعته الضعيفة ، قياما بما تقتضيه أسباب الحياة ، وهو ملقى إذ ذاك لا إرادة له . وعرضة لأسقام تذيقه الآلام ، وقد تجرعه كأس الحمام قبل أن يرى ويدرك شيئا من هذا النظام . فإذا استظهرت فيه عوامل الحياة على دواعي الممات ، وسرت بجسمه قوى الشبيبة ، وصرف ما أنعم اللّه عليه ، إلى ما خلق لأجله ، ترعرع إنسانا عظيما ظافرا بمنتهى أمله .
التنبيه الثاني - في ذي القرنين . اتفق المحققون على أن اسمه الإسكندر بن