عليهما السلام . وقد تبين أن العقل الكليّ أشرف وأكمل وأقوى وأقرب إلى البارئ تعالى من النفس الكليّ . والنفس الكليّ أعز وألطف وأشرف من سائر المخلوقات .
فمن إفاضة العقل الكليّ يتولد الإلهام . فالوحي حلية الأنبياء ، والإلهام زينة الأولياء .
فكما أن النفس دون العقل ، فالوحي دون النبيّ . وكذلك الإلهام دون الوحي . فهو ضعيف بنسبة الوحي ، قوى بإضافة الرؤيا . والإلهام علم الأنبياء والأولياء . فإنّ علم الوحي خاص بالرسل موقوف عليهم . كما كان لآدم وموسى وإبراهيم ومحمد وغيرهم من الرسل صلوات اللّه عليهم . وفرق بين الرسالة والنبوة . فالنبوة هي قبول النفس القدسيّ حقائق المعلومات والمعقولات عن جوهر العقل الأول . والرسالة تبليغ تلك المعلومات والمعقولات إلى المستفيدين والمتابعين . وربما يتفق القبول لنفس من النفوس ، ولا يتأتى لها التبليغ لعذر من الأعذار وسبب من الأسباب . والعلم اللدني يكون لأهل النبوة والولاية ، كما حصل للخضر عليه السلام حيث أخبر اللّه تعالى فقال :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
[ الكهف : 65 ] .
ثم قال عليه الرحمة : فإذا أراد اللّه بعبد خيرا رفع الحجاب بين نفسه وبين النفس الكليّ الذي هو اللوح . فيظهر فيها أسرار بعض المكونات . وينتقش فيها معاني تلك المكونات . فيعبر النفس عنها كما يشاء إلى من يشاء من عباده .
وحقيقة الحكمة تنال من العلم اللدنيّ . وما لم تبلغ النفس هذه الرتبة لا يكون حكيما . لأن الحكمة من مواهب اللّه تعالى : و
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
، من عباده
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
[ البقرة : 269 ] ، وهم الواصلون مرتبة العلم اللدنيّ ، المستغنون عن كثيرة التحصيل وتعب التعلم . فيتعلمون قليلا ويعلمون كثيرا ، ويتعبون يسيرا ويستريحون طويلا .
ثم قال عليه الرحمة : اعلم أن العلم اللدنيّ هو سريان نور الإلهام . والإلهام يكون بعد التسوية . كما قال تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
[ الشمس : 7 ] ، والتسوية تصحيح النفس والرجوع إلى فطرتها . وهذا الرجوع يكون على ثلاثة أوجه : أحدها - تحصيل جميع العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها . والثاني - الرياضة الصادقة والمراقبة الصحيحة . فإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أشار إلى هذه الحقيقة
فقال : ( من عمل بما علم ، أورثه اللّه علم ما لم يعلم ) .
والثالث - التفكر . فإن النفس ، إذا تعلمت وارتاضت بالعلم والعمل ، ثم أخذت تتفكر بمعلوماتها ، بشرط التفكر ، ينفتح عليه باب الغيب . كالتاجر الذي يتصرف في ماله بشرط التجارة ، ينفتح عليه أبواب الربح . وإذا