تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
فيظنه الميت نفسه . وإنما هو شيطان . تصور بصور . انتهى . التاسع - دل قوله تعالى :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
، على أن من العلم علما غيبيّا وهو المسمى بالعلم اللدنّي . فالآية أصل فيه . وقد ألف حجة الإسلام الغزاليّ ، عليه الرحمة ، رسالة في إثبات هذا العلم . ردّ على من أنكر وجوده . وذكر عليه الرحمة أولا طرفا من مراتب العلوم الظاهرية المعروفة . ثم جوّد الكلام في إثباته . ولا بأس بإيراد شذرة مما قرره فيه . قال قدس سره . اعلم أن العلم الإنسانيّ يحصل من طريقين : أحدهما من التعليم الإنسانيّ والثاني من التعليم الربانيّ . أما الطريق الأول ، وهو التعليم الإنسانيّ ، فطريق معهود مسلوك محسوس . ويكون على وجهين : أحدهما من خارج وهو التحصيل بالتعلّم . والآخر من داخل وهو الاشتغال بالتفكر . والتفكر في الباطن بمنزلة التعليم في الظاهر . فإن التعلم استفادة الشخص من الشخص الجزئيّ . والتفكر استفادة النفس من النفس الكليّ . والنفس الكليّ أشد تأثيرا وأقوى تعليما من جميع العقلاء والعلماء . والعلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة . كالبذر في الأرض والجوهر في قعر البحر ، أو في قلب المعدن . والتعلم هو طلب خروج ذلك الشيء الذي بالقوة إلى الفعل . والتعليم هو إخراجه من القوة إلى الفعل . فنفس المتعلم تتشبّه بنفس العالم وتتقرب إليه بالنسبة . فالعالم بالإفادة كالزارع . والمتعلم بالاستفادة كالأرض . والعلم الذي هو بالقوة كالبذر . والذي هو بالفعل ، كالنبات . وإذا كملت نفس المتعلم يكون كالشجر المثمر أو كالجوهر الظاهر من قعر البحر . وإذا غلبت القوى البدنية على النفس يحتاج المتعلم إلى زيادة التعلم في طول المدة . ويحمل التعب في طلب الفائدة ، وإذا غلب نور العقل على أوصاف الحسّ يستغني الطالب بقليل التفكر عن كثير التعلم ، فإن نفس العاقل تجد من الفوائد بتفكر ساعة ، ما لا تجد نفس الجاهل بتعلم سنة . فإذن بعض الناس يحصلون العلم بالتعلم وبعضهم بالتفكر . ثم قال قدس سره : والطريق الثاني وهو التعليم الربانيّ . وذلك على وجهين : إلقاء الوحي وهو النفس إذا كملت بذاتها تزول عنها دنس الطبيعة ودرن الحرص والأمل . وينفصل نظرها عن شهوات الدنيا وينقطع نسبها عن الأماني الفانية . وتقبل بوجهها على بارئها ومنشئها . وتتمسك بجود مبدعها . وتعتمد على إفادته وفيض نوره . فاللّه تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالا كليّا ، وينظر إليها نظرا إلهيّا ، ويتخذ منها لوحا ، ومن النفس الكليّ قلما وينقش فيها علومه . ويصير العقل الكليّ كالمعلم والنفس القدسيّ كالمتعلم . فتحصل جميع العلوم لتلك النفس وتنتقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر .