تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
كنت عند ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب ، فقال بعضهم : يا أبا عباس ! إن نوفا يزعم عن كعب الأحبار أن موسى الذي طلب العلم إنما هو موسى بن منسا . أي ابن إفراثيم بن يوسف عليه السلام . فقال ابن عباس : أسمعت ذلك منه يا سعيد ؟ قلت : نعم . قال : كذب نوف . وفي رواية البخاريّ : كذب عدو اللّه . وإنما قال ذلك مبالغة في الإنكار والتنفير من تصديق مقالته . قال الرازيّ : كان ليوسف ولدان إفراثيم . ومنسا . فولد إفراثيم نون وولد نون يوشع صاحب موسى ووليّ عهده بعد وفاته . وأما ولد منسا ، قيل إنه جاءته النبوة قبل موسى بن عمران . ويزعم أهل التوراة أنه هو الذي طلب هذا العلم ليتعلم . والخضر هو الذي خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار ، وموسى بن منسا معه . هذا هو قول جمهور اليهود . واحتج القفال على صحة القول بأنه موسى صاحب التوراة أنه لم يذكر في القرآن وهو المراد . فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه . ولو كان المراد غيره لوجب تعريفه بصفة تميّزه وتزيل الاشتباه عنه ، واللّه أعلم . انتهى . وأما ابن عباس فكان سنده في ذلك ، كما في البخاري ، ما حدثه به أبيّ بن كعب ورفعه إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ؛ أن موسى سئل هل في الأرض أحد أعلم منك ؟ فقال : لا . أو حدثته نفسه بذلك . فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه . وأراد تعريفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه ، لئلا يحتم على ما لا علم له به . وإذا صح أن موسى هو صاحب التوراة ، فيكون المراد بفتاه يوشع . وكان موسى اختصه برفقته لكونه صادقا في خدمته ، والغيرة على كرامته ، والحب له . ولذا صار خليفته بعده ، وفتح عليه بيت المقدس ونصر على الجبارين ، كما هو معروف . السابع : قال الأكثرون : إن صاحب موسى المعبر عنه بقوله تعالى
عَبْداً مِنْ عِبادِنا
هو الخضر . قالوا : سمي بذلك لأنه ما جلس على الأرض إلا اخضرت . وقد صح عن ابن عباس أنه تمارى هو والحرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ في صاحب موسى . فقال ابن عباس : هو خضر ، فمرّ أبيّ بن كعب . فدعاه ابن عباس فقال : إني تماريت أنا وصاحبي هذا ، في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيّه . فهل سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يذكر شأنه ؟ قال : إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل ، إذ جاءه رجل فقال : تعلم مكان أحد أعلم منك ؟ قال موسى : لا . فأوحى اللّه إلى موسى : بلى . عبدنا خضر . فسأل موسى السبيل إلى لقيّه ، فجعل اللّه له الحوت آية ، وقيل له : إذا فقدت فارجع فإنك ستلقاه . فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر . فقال موسى
ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 58 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود