تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
أي لا يقي المرء من عذاب اللّه ماله ولو افتدى بملء الأرض ذهبا . ولا بنوه ، وإن كانوا غاية في القوة . فإن الأمر ثمة ليس كما يعهدون في الدنيا ، بل لا ينفع إلا الموافاة بقلب سليم من مرض الكفر والنفاق والخصال المذمومة والملكات المشؤومة . قال الزمخشريّ : وما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين حين سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم . ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع . وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين ، فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة ، فضلا أن يكون حجة . ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر اللّه عزّ وعلا ، فعظم شأنه وعدد نعمته من لدن خلقه وإنشائه ، إلى حين وفاته ، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته . ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين ، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين . ثم وصله بذكر يوم القيامة ، وثواب اللّه وعقابه ، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال ، وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا . ثم بين سبحانه أن الجنة تكون قريبة من موقف السعداء ، ينظرون إليها ويغتبطون بأنهم المحشورون إليها . والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم ، يتحسرون على أنهم المسوقون إليها .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 90 إلى 94 ]

وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 90 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ( 91 ) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ( 93 ) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 )
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ
أي الضالّين عن طريق الحق الذي هو الإيمان والتقوى . وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع وتقرره .
وَقِيلَ لَهُمْ
توبيخا على شركهم
أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ
أي يدفعون العذاب عنكم ، أو يدفعونه عن أنفسهم ، لأنهم وآلهتهم وقود النار . وهو قوله تعالى :
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ
أي الآلهة
وَالْغاوُونَ
أي وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم . قال الزمخشريّ : والكبكبة تكرير الكب - وهو الإلقاء على الوجه - جعل