تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي
أي أفأبصرتم ، أو أتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدونه أنتم وسلفكم . فإنهم بغضائي
إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
أي لكن رب العالمين ليس كذلك ، فإنه وليّ في الدنيا والآخرة ، لا أعبد غيره ثم برهن على موجب قصر عبادته عليه تعالى بقوله
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
أي إلى كل ما يهمني من أمور الدين والدنيا ، فإنه تعالى وحده يهدي كلا لما خلق له . والموصول صفة ل ( رب ) وجعله مبتدأ وما بعده خبرا - غير حقيق بجزالة التنزيل . قاله أبو السعود .
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
أي يرزقني بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية ، فساق المزن ، وأنزل الماء وأحيى به الأرض وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد ، وأنزل الماء عذبا زلالا يسقيه مما خلق أنعاما وأناسيّ كثيرا .
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
أي إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما قدره من الأسباب الموصلة إليه . وإنما نسب المرض إلى نفسه والشفاء إلى اللّه تعالى ، مع أنهما منه ، لمراعاة حسن الأدب معه تعالى . بتخصيصه بنسبة الشفاء الذي هو نعمة ظاهرة إليه تعالى كما قال الخضر :
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
[ الكهف : 79 ] ، وقال :
فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما
[ الكهف : 82 ] ، وكقول الجن في آية :
أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
[ الجن : 10 ] ، ولأن كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك . ومن ثم قالت الحكماء : لو قيل لأكثر الموتى : ما سبب آجالكم ؟ لقالوا : التخم .
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
فإنه هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ، لا يقدر على ذلك أحد سواه . فإن قيل إن الموت قد يكون بتفريط الإنسان ، وقد أضافه تعالى إلى نفسه ، فما الفرق بين نسبة الموت ونسبة المرض في مقتضى الأدب ؟ أجيب كما في ( الانتصاف ) : بأن الموت قد علم به بأنه قضاء محتوم من اللّه تعالى على سائر البشر ، وحكم عامّ لا يخص ، ولا كذلك المرض فكم من معافى منه قد بغته الموت ؛ فالتأسي بعموم الموت لعله يسقط أثر كونه بلاء ، فيسوغ في الأدب نسبته إلى اللّه تعالى . وأما المرض ، فلما كان مما يخص به بعض البشر دون بعض ، كان بلاء محققا . فاقتضى العلوّ في الأدب مع اللّه تعالى ، أن ينسبه الإنسان إلى نفسه ، باعتبار ذلك السبب الذي لا يخلو منه . ويؤيد ذلك أن كل ما ذكره مع المرض ، أخبر عن وقوعه بتّا وجزما ، لأنه أمر لا بد منه . وأما المرض ، فلما كان قد يتفق وقد لا ، أورده مقرونا
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 460 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود