تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
وإنما عدّه جديرا بأن يتعجبوا منه ، لأنهم ، على ما حققه المؤرخون ، غلوا في عبادة الأصنام وتعديد الآلهة غلوّا أربوا على كل من سواهم في الضلال . فكانوا يسجدون للشمس والقمر ، والنجوم ، والأشخاص البشرية ، والحيوانات ، حتى الهوامّ ، وأدنى حشرات الأرض .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 26 إلى 28 ]

قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 )
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
أي لكونه يدعو إلى خلاف ما عقل عن الآباء .
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
أي شيئا ما ، أو إن كنتم من أهل العقل علمتم أن الأمر كما قلته . وفيه إيذان بغاية وضوح الأمر ، بحيث لا يشتبه على من له عقل في الجملة ، وتلويح بأنهم بمعزل من دائرة العقل ، وإنهم المتصفون بما رموه عليه السلام به من الجنون .

تنبيه :

ذهب بعض المفسرين إلى أن فرعون كان من المعطلة ، لا يقر بخالق ، ولا يعترف بمعبود لظاهر قوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
[ القصص : 38 ] ، وأن قومه كانوا لا يؤلهون سواه . قال ابن كثير : ومن زعم من أهل المنطق أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط . فإنه لم يكن مقرّا بالصانع ، حتى يسأل عن الماهية ، بل كان جاحدا له بالكلية فيما يظهر . انتهى . وقدمنا أنه حقق الاكتشاف الصحيح والتاريخ الوثيق ، أنه كان من الوثنيين الغالين . وأن له ولقومه عدة معبودين علويين وسفليين . وعليه فمعنى قوله ( ما علمت لكم من إله غيري ) أي مطاع عظيم ، وكانوا لا يتحاشون من إطلاق الإله على الجبار المسيطر . فبقي سؤاله بما يحتمل أن يكون على نهج القاعدة المنطقية ، من طلب الاكتناه ، وتعجبه من جوابه ، ثم رميه بالجنون ، ثانيا ، لعدوله عن الكنه إلى الأثر . ويحتمل أن يكون لتعرفه من جهة وحدته في ربوبيته التي ادعاها موسى ، وأن تعجبه لما شاهد من الجد في الدعوة والثبات عليها ، والصدع بما يؤلم عظمته ، ويغمز جبروته ؛ وهذا هو الذي أذهب إليه ، فإن القوم