تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
بمعزل عن أن يعجبوا لكون الجواب كان بالرسم لا بالحد ، إذ هو اصطلاح لفئة خاصة ، ومع هذا فالنظم يحتمله ولا يأباه . وقد عول عليه كثير من أهل النظر ، ولا بأس بأن نأثر شيئا من لطائفهم فيه . قال الرازيّ : السؤال ب ( ما ) طلب لتعريف حقيقة الشيء . وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة ، أو بشيء من أجزائها ، أو بأمر خارج عنها ، أو بما يتركب من الداخل والخارج . أما تعريفها بنفسها فمحال ؛ لأن المعرف معلوم قبل المعرف . فلو عرف الشيء بنفسه لزم أن يكون معلوما قبل أن يكون معلوما ، وهو محال . وأما تعريفها بالأمور الداخلية فيها ، فهاهنا في حق واجب الوجود محال ، لأن التعريف بالأمور الداخلة ، لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركبا ، وواجب الوجود يستحيل أن يكون مركبا ؛ لأن كل مركب ، فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه . وكل واحد من أجزائه فهو غيره ؛ فكل مركب محتاج إلى غيره . وكل ما احتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته . وكل مركب فهو ممكن ، فما ليس بممكن يستحيل أن يكون مركبا . فواجب الوجود ليس بمركب ، وإذا لم يكن مركبا استحال تعريفه بأجزائه . ولما بطل هذان القسمان ، ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود ، إلا بلوازمه وآثاره . ثم إن اللوازم قد تكون خفية ، وقد تكون جلية . ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية ، بل لا بد من تعريفها باللوازم الجلية . وأظهر آثار ذات واجب الوجود ، وهو هذا العالم المحسوس ، وهو السماوات والأرض وما بينهما . فقد ثبت أنه لا جواب البتة لقول فرعون
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
إلا ما قاله موسى عليه السلام ، وهو أنه رب السماوات والأرض وما بينهما . فأما قوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
. فمعناه إن كنتم موقنين باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود ، فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته . لأنكم لما سلمتم انتهاء هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته ، وثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق ، وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره . وثبت أن تلك الآثار لا بد وأن تكون أظهر آثاره وأبعدها عن الخفاء ، وما ذاك إلا السماوات والأرض وما بينهما . فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال ، إلا هذا الجواب . ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق ، قال فرعون لمن حوله
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
وإنما ذكر ذلك على سبيل التعجب من جواب موسى ، يعني أنا أطلب منه الماهية ، وخصوصية الحقيقة ، وهو يجيبني بالفاعلية والمؤثرية .