فَوْقَ عِبادِهِ *
[ الأنعام : 18 ] ، أن حقيقة الإله سبحانه من حيث هي ، هي غير معقولة للبشر ، انتهى .
وقال الإمام ابن حزم في ( الملل والنّحل ) في الكلام في المائية : ذهب طوائف من المعتزلة إلى أن اللّه تعالى لا مائية له . وذهب أهل السنة وضرار بن عمرو ، إلى أن للّه تعالى مائية . قال ضرار : لا يعلمها غيره . قال ابن حزم : والذي نقول به ، وباللّه تعالى التوفيق ، أن له مائية هي إنيّته نفسها ، وإنه لا جواب لمن سأل : ما هو البارئ ، إلا ما أجاب به موسى عليه السلام ؛ إذ سأله فرعون
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
؟ ونقول أنه لا جواب هاهنا لا في علم اللّه تعالى ولا عندنا ، إلا ما أجاب به موسى عليه السلام . لأن اللّه تعالى حمد ذلك منه وصدق فيه . ولو لم يكن جوابا صحيحا تامّا لا نقص فيه ، لما حمده اللّه تعالى .
ثم قال : هاهنا نقف ولا نعلم أكثر . ولا هاهنا أيضا شيء غير هذا ، إلا ما علمنا ربنا تعالى ، من سائر أسمائه ، كالعليم والقدير والمؤمن والمهيمن وسائر أسمائه .
قال تعالى :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
[ طه : 110 ] ، إذ كل ما أحاط به العلم فهو متناه محدود وهذا منفيّ عن اللّه عزّ وجلّ ، وواجب في غيره ، لوقوع العدد المحاط به في أعراض كل ما دونه تعالى ، ولا يحاط بما لا حدود له ولا عدد له . فصح يقينا أننا نعلم اللّه عزّ وجلّ حقّا ، ولا نحيط به علما . انتهى ملخصا .
ولما سمع فرعون تلك المقالات المبينة على أساس الحكم البالغة ، وشاهد شدة حزم موسى عليه السلام وقوة عزمه على دعوته ، عدل عن خطة الإنصاف إلى الاعتساف ، بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 29 إلى 39 ]
قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 ) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 )
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 34 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 35 ) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 ) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 )
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ( 39 )