نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ
أي كلّا . لا نفعل ذلك . بل هم لا يشعرون أصلا . كالبهائم لا فطنة لهم ولا شعور ، ليتأمّلوا ويعرفوا أن ذلك الإمداد استدراج لهم واستجرار إلى زيادة الإثم . وهم يحسبونه معاجلة فيما لهم فيه إكرام . ثم بين سبحانه من له المسارعة في الخيرات من أوليائه وعباده ، بقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 57 إلى 61 ]
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 58 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ( 59 ) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 ) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ( 61 )
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
أي من خوف عذابه حذرون
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ
أي شركا جليّا ، ولا خفيّا
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا
أي يعطون ما أعطوه من الصدقات
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
أي خائفة
أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ
أي من رجوعهم إليه تعالى ، فتخشى أن تحاسب على ما قصرت من الحقوق ، أو غفلت عنه من الآداب
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
أي في نيل الخيرات التي من جملتها الخيرات العاجلة الموعودة على الأعمال الصالحة . كما في قوله تعالى :
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
[ آل عمران :
148 ] ، وقوله تعالى :
وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا ، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
[ العنكبوت : 27 ] ، فقد أثبت لهم ما نفى عن أضدادهم ، خلا أنه غيّر الأسلوب ، حيث لم يقل أولئك
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ
بل أسند المسارعة إليهم ، إيماء إلى كمال استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسن أعمالهم . وإيثار كلمة ( في ) على كلمة ( إلى ) للإيذان بأنهم متقلبون في فنون الخيرات . لا أنهم خارجون عنها ، متوجهون إليها ، بطريق المسارعة كما في قوله تعالى :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
[ آل عمران : 133 ] الآية أفاده أبو السعود .
وَهُمْ لَها سابِقُونَ
أي إياها سابقون . أي ينالونها قبل الآخرة ، حيث عجلت لهم في الدنيا ، فتكون اللام لتقوية العمل . كما في قوله تعالى
هُمْ لَها عامِلُونَ
[ المؤمنون : 63 ] ، وقيل : المراد
بِالْخَيْراتِ
الطاعات . والمعنى : يرغبون في الطاعات والعبادات أشد الرغبة . وهم لأجلها فاعلون السبق ، أو لأجلها سابقون الناس ، واللّه أعلم ، وقوله تعالى :