تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
الجبال والطير يقدسن اللّه معه ، بصوت يتمثل له أو يخلق فيها . قال ابن كثير : وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه ( الزبور ) وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه . وترد عليه الجبال تأويبا ، ولهذا لما مرّ « 1 » النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على أبي موسى الأشعريّ وهو يتلو القرآن من الليل ، وكان له صوت طيّب جدا ، فوقف واستمع لقراءته وقال : لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود . قال : يا رسول اللّه ! لو علمت أنك تسمع لحبّرته لك تحبيرا . قال أبو عثمان الهنديّ : ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي موسى رضي اللّه عنه . انتهى . وتقديم الجبال على الطير ، لأن تسبيحها أعجب وأدل على القدرة ، وأدخل في الإعجاز ، لأنها جماد . والتذييل بقوله
وَكُنَّا فاعِلِينَ
إشارة إلى أنه ليس ببدع في جانب القدرة الإلهية ، وإن كان عند المخاطبين عجيبا . وهذه الآية كقوله تعالى في سورة ( ص )
وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ
[ ص : 17 - 19 ] .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 80 ]

وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ( 80 )
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ
أي عمل الدروع الملبوسة . قيل كانت الدروع قبله صفائح ، فحلقها وسردها . أي جعلها حلقا وأدخل بعضها في بعض كما قال تعالى :
وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ
[ سبأ : 10 - 11 ] ، أي لا توسع الحلقة فتقلق المسمار . ولا تغلظ المسمار فتقدّ الحلقة . ولهذا قال
لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ
أي لتحفظكم من جراحات قتالكم
فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ
أي لنعم اللّه عليكم ، لما ألهم عبده داود فعلّمه ذلك رحمة بكم فيما يحفظ عليكم في المعامع حياتكم . وفي إيراد الأمر بالشكر على صورة الاستفهام ، مبالغة في التقريع والتوبيخ ، لما فيه من الإيماء إلى التقصير في الشكر .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : فضائل القرآن ، 31 - باب حسن الصوت بالقراءة ، حديث رقم 2097 . وأخرجه مسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث رقم 236 .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 211 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود